فلا يشك صحيح الفهم البتةَ في هذا الخطاب أنه نصٌّ صريحٌ لا يحتمل التأويل بوجهٍ في إثبات صفة السمع للرب تعالى حقيقة، وأنه بنفسه سَمِعَ.
ومن ذلك قوله: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا اُلصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ اُلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤١]. فرَفَعَ توهُّمَ السامع أن المكلَّف به عَمِلَ جميع الصالحات المقدورة والمعجوز عنها، كما يجوِّزه أصحاب تكليف ما لا يُطاق= رَفَعَ هذا التوهم بجملة اعتُرض (^١) بها بين المبتدأ وخبره تزيلُ (^٢) الإشكال. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا اُلْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٣].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اِللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ اِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٣]. فلمَّا أمَرَه بالقتال أخبره أنه لا يُكلَّف بغيره، بل إنما كُلِّف نفسه، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿وَحَرِّضِ اِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لئلَّا يتوهم سامعٌ أنه وإن لم يُكلَّف بهم فإنه يهملهم ويتركهم.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ اُمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ١٩]. فتأمل كم في هذا الكلام مِن رفعِ إيهامٍ وإزالة ما عسى أن يعرض للمخاطب من لبسٍ:
فمنها: قوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ﴾، لئلا يُتوهَّم أن الإتباع في نسب أو تربية أو حرية أو رِقٍّ أوغير ذلك.
(^١) «ب»: «اعتراض».
(^٢) في النسختين: «يزيل». والمثبت من «م».