Al-Ṣaḥīḥ al-maʾthūr fī ʿālam al-barzakh waʾl-qubūr
الصحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
•
Regions
Palestine
فَأَحْبَبْتُ، بِشَفَاعَتِي، أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ" (١). فجعل مدَّة بقاء الغصنين رطبين حدًّا للتَّخفيف عنهما، وليس سببًا لِلتَّخْفِيفِ.
ولذلك لا يكون لأحد أنْ يأتي بعسيب فيغرسه على قبر؛ لأنّه لم يُكشف له أن هذا الميِّت يُعذَّب، بخلاف النَّبيِّ ﷺ الّذي كُشِفَ له، فالاطّلاع على عذاب القبر من الغيب الَّذي لا يظهره الله تعالى إلَّا على رسول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ... (٢٧)﴾ [الجنّ]، فَفِعْل ذلك يفهم منه أنَّه يعذب في قبره، وهذا فيه ادِّعاء بمعرفة الغيب، واتِّهام لصاحب القبر أنَّه يعذَّب، ثمّ إنّ النَّبيَّ ﷺ لم يداوم على فعل ذلك، ولم يجعله على كلِّ قبر، ولم يتابعه أحد من الصّحابة؟ .
ومن العلماء من يرى جواز وضع الجريد، وأنّ الحديث عَلَى عُمُومِهِ، واستدلّوا بالأثر عند البخاريّ وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ: «أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ» (٢). ولا حجّة فيه؛ لأنّه رأي، ولا نعلم أحدًا من الصحابة ﵃ وافقه، ولذلك فإنّ البخاري ﵀ عقَّبه قول ابن عمر ﵄: «انْزِعْهُ يَا غُلامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ» وذلك لمّا رأى فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فكأنّه يرى أنّ ما ينتفع به الميّت عمله الصّالح. ويدلّك على رجحان المنع أنّ النَّبيَّ ﷺ وضع الجريد بسبب أنّهما يعذبان، وهذا السّبب مجهول بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا ولا يمكن معرفته، فمن أراد أن يحمل الحديث على العموم، يلزمه أن يفعل ذلك لِلسَّبَبِ نَفْسِهِ.
(١) مسلم "صحيح مسلم" (ج ٤/ص ٢٣٠٦) كِتَابُ الزُّهْدِ.
(٢) البخاريّ "صحيح البخاري" (ج ٢/ص ٩٥) كِتَابُ الجَنَائِزِ.
1 / 265