فيها من ترجيحاته واختياراته للأقوال والروايات في المذهب، وما نقف عليه فيها من الأحكام والفتاوى التي يقررها على أنها تمثل رأيه واجتهاده، والتي قد يخالف فيها شيوخه وكبار أئمة المذهب.
وفوق ذلك، فالقاضي عبد الوهاب من الفقهاء الداعين إلى الاجتهاد، والمعتقدين بفرضيته، وقد قرر ذلك في غير ما موضع من كتبه الأصولية. من ذلك ما قاله في كتابه الملخص في أصول الفقه: اعلم أن النظر صحيح ومثمر للعلم بالمنظور فيه، ومفيد لحقيقته إذا رتب على سننه واستوفي على واجبه(١). ثم قال بعد ذلك يقرر وجوب الاجتهاد: إذا ثبت صحته وأنه مثمر للعلم بالمنظور فيه، فإنه واجب، خلافاً لمن نفى وجوبه(٢)، ثم يستدل على ذلك قائلاً: والدليل على ذلك: أنه قد ثبت اختلاف أهل الصلاة فيما بينهم في أحكام وأشياء لا يجوز أن يكون جميعها حقاً لتضادها واختلافها، ولا أن يكون جميعها باطلاً، لأن الحق لا يخرج عنهم. فلم يبق إلا أن يكون بعضها حقاً وبعضها باطلاً، ولا طريق يميز به بين ذلك إلا النظر والاستدلال. يدل على ذلك في النص قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾(٣) وقوله: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾(٤) وهذا حث منه تعالى على النظر في آياته وما تشتمل عليه من الأحكام، وقوله:
(١) الرد على من أخلد إلى الأرض: ص ٨١.
(٢) المصدر السابق: ص ٨١.
(٣) سورة الحشر: الآية (٢).
(٤) سورة النساء: الآية (٨٢).