329

Al-qawāʿid al-fiqhiyya min khilāl kitāb al-Ishrāf ʿalā masāʾil al-khilāf liʾl-qāḍī ʿAbd al-Wahhāb al-Baghdādī al-Mālikī

القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي

الثاني أفادها الاستعمال الفعلى.

والمتأمل في ذلك أيضاً يتبين له أن العرف اللفظي هو استعمال المعنى المجازي للَّفظة أو التركيب، وجعله بمثابة المعنى الحقيقي، غير أن هذا الاستعمال قد يطرد أو يغلب على الألسنة حتى يصبح حقيقة عرفية، وهذا هو العرف القولي، وهو يؤثر في اللفظ اللغوي بالتخصيص والتقييد. وقد لا يرتقي إلى ذلك كما هو الشأن بالنسبة للعرف الفعلي، لأن دلالة لفظة الخبز - مثلاً - على خبز البر دون غيره، ليس بسبب النقل الناتج عن الاطراد أو الغلبة، وإنما لمباشرة هذا النوع دُون غيره من المسميات الأخرى. ولو باشر الناس الأنواع الأخرى لأطلقوا عليها اسم الخبز. ومن ثم كان العرف الفعلي - بهذا المفهوم - غير معارض لوضع اللغة، فلم يكن له أن يؤثر في اللفظ اللغوي بالتخصيص أو التقييد. قال ابن الشاط مؤكداً كلام القرافي في هذا الصدد: ((قلت: ما قاله من أن العرف الفعلي لا يؤثر في وضع اللفظ للجنس كله صحيح»(١).

والخلاف الذي نسبه الشيخ الزرقا إلى المذهب المالكي، والكلام الذي نسبه إلى القرافي، كل ذلك إنما هو في العرف الفعلي بهذا المعنى. ويؤكد ذلك المسائل الأربع التي ختم بها القرافي كلامه في هذا الفرق، فقد جاء في المسألة الأولى - مثلاً - قوله: ((إذا فرضنا ملكاً أعجمياً يتكلم بالعجمية وهو يعرف اللغة العربية غير أنه لا يتكلم بها لثقلها عليه، فحلف لا يلبس ثوبًاً ولا يأكل خبزاً، وكان حلفه بهذه الألفاظ العربية التي لم تجر عادته باستعمالها، وعادته في غذائه لا يأكل إلا خبز الشعير، ولا يلبس إلا ثياب

(١) إدرار الشروق: ١٧٤/١.

328