315

Al-qawāʿid al-fiqhiyya min khilāl kitāb al-Ishrāf ʿalā masāʾil al-khilāf liʾl-qāḍī ʿAbd al-Wahhāb al-Baghdādī al-Mālikī

القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي

مستنداً إلى مفهوم الخطاب، وهو مختلف فيه بين الأصوليين كما هو معروف. لذلك عقب القرطبي على ابن العربي بقوله: ((قلت: الصحيح خلاف هذا، فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشرُّ معصية مما هو فيه، قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾(١) وهذا عام. ولعله يتوب في ثاني حال فتمحو التوبة عنه ما كان))(٢). وهذا هو الفقه الحي الذي ينسجم مع روح الشريعة وطبيعة الواقع؛ لأن الحفاظ على النفس مأمور به بالنص، ولأن العاصي المضطر لا يأبه - حين عصيانه - بما يجوز له وبما لا يجوز. ومن أقدم على المعصية وهو مختار، فهو في حالة الاضطرار أجدر وأحرى بالإقدام عليها. ثم بم يجيب القائلون بمنع الترخص للعاصي إذا جاءهم سائل يقول مستفتياً: سافرت في معصية، فاضطررت إلى أكل الميتة فأكلتها ولما يفارقني العصيان بعد؟

فلم يبق إذا إلا أن الاضطرار لا فرق فيه بين العاصي والمطيع. وليس بعد هذا إلا الجدل النظري الذي لا تنبني عليه ثمرة. قال ابن خويز منداد(٣)، يؤكد هذا المعنى بما فيه الكفاية: ((فأما الأكل عند الاضطرار، فالطائع والعاصي فيه سواء؛ لأن الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر، وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم، بل أسوأ حالة من أن يكون مقيماً، وليس كذلك الفطر والقصر؛ لأنهما رخصتان متعلقتان بالسفر، فمتى كان السفر سفر معصية لم يجز أن يقصر فيه؛ لأن

(١) سورة النساء: الآية (٢٩).

(٢) الجامع لأحكام القرآن: ٢٣٢/٢.

(٣) تقدمت ترجمته.

314