٣ - يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها:
وهي كسابقتها تماماً، قال القاضي عبد الوهاب يحتج بجواز تسليم اللقطة لصاحبها عند ظهوره، من غير إقامة بينة على ذلك - خلافاً لأبي حنيفة والشافعي -: ((ولأن البينات تترتب في الأصول على حساب الأحوال المشهود فيها وما تدعو الحاجة إليه، فيجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها. وفي هذا الموضع تدعو الضرورة إلى ذلك؛ لأن البينة لا تقوى على ما يضيع، ولا على صفة أموالهم في كل حال، فلو كلفناهم البينة لأدى إلى ترك انتفاع الناس بأموالهم))(١).
وقد تقوى الحاجة عند الناس فيجوز فيها ما يجوز في الضرورة، وهذا معنى قول الفقهاء: ((الحاجة تنزل منزلة الضرورة)). والفرق بينهما: أن الضرورة: ما يترتب على تركها هلاك النفس أو العرض أو غيرهما من الكليات الخمس. أما الحاجة فهي ما يترتب على تركها عسر ومشقة في الحياة. ومن أمثلة ما أباحه الشرع للناس بسبب مسيس حاجتهم إليهم: بيع السُّلم، والإجارة والاستصناع. فالقياس في هذه العقود يقتضي أنها ممنوعة لكون المعقود عليه فيها معدوماً أثناء العقد. ولكن الشرع أباحها - استثناءً - لاشتداد الحاجة إليها، وعسر المعاملات بدونها.
والملحوظ أن الضرورة تبيح المحظور فرداً كان أو جماعة، بينما لا تبيحه الحاجة إلا إذا كانت جماعية. ثم إن الضرورة إنما تبيح المحظور بصفة مؤقتة، فإذا زال الاضطرار زالت الإباحة، أما الحاجة فتبيح ذلك
(١) الإشراف: ٨٥/٢.