٣- مشقة متوسطة بين القسمين السابقين: وهذه يُنظر فيها فما كان منها قريباً من المشاق العظيمة ألحق بها فاستوجب التخفيف. وما كان منها قريباً من المشاق الخفيفة ألحق بها فلم يستوجب التخفيف. وما كان منها دائراً بين المرتبتين على السواء فإنه مختلف فيه بين الفقهاء(١).
ولما كانت المشاق منها ما يوجب التخفيف، ومنها ما لا يوجبه، كان لا بد من معرفة ضوابط كل من النوعين. ومعرفة هذه الضوابط قد يكون مسلكها النص، كالسفر والخطأ والنسيان والإكراه، وما إلى ذلك مما نص عليه الشرع، فهذه الضوابط لا إشكال في اعتبارها وأنها مؤثرة بالتخفيف في كل المشاق الداخلة فيها. وقد لا يكون للمشقة تحديد من الشرع، فحينئذ يرجع في تحديدها وضبطها إلى التقريب استعانة بقواعد الشرع وأصوله. فإذا أردنا تحقيق المشقة في عبادة من العبادات، بحثنا عن أدنى(٢) مشاق تلك العبادة، واتخذناه مقياساً في التخفيف أو عدمه. وذلك أن ما ساوى ذلك الأدنى أو زاد عليه كان موجباً للتخفيف، وما نزل عنه لم يوجب التخفيف. مثال ذلك: أن التأذي بالقمل في الحج يبيح الحلق(٣)، فيكون كل مرض مثله أو أعلى منه مبيحاً للحلق، وإذا نزل عن ذلك فلا يبيح، والسفر مبيح للفطر، فتكون كل مشقة مساوية له أو زائدة عليه مبيحة للفطر، وما نزلت عنه فلا تبيحه. وهكذا ... (٤).
(١) فبعضهم يلحقه بالمرتبة العليا، وبعضهم يلحقه بالدنيا، حسب ما يوصله إليه اجتهاده.
(٢) استعانة في ذلك بنص أو إجماع أو استدلال.
(٣) لحديث كعب بن عجرة الوارد في ذلك الذي رواه البخاري في كتاب المحصر، ومسلم في الحج. وغيرهما.
(٤) انظر: قواعد الأحكام: ١٢/٢. والفروق: ١١٩/١. الفرق الرابع عشر.