والأصل في هذه القواعد الثلاث قوله ﷺ: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى))(١)، وهو حديث كافٍ شافٍ في كل ما تقدم، جامع لشتاته، يحمل من العلم كنوزاً كثيرة، حتى قال الشافعي وغيره: إنه ثلث العلم، أو ثلث الإسلام(٢)، وفسر ذلك البيهقي بأن كسب العبد يكون بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه، والنية أحد هذه الأقسام الثلاثة(٣)، وتوجيه البيهقي هذا أولى به أن يدل على أن هذا الحديث نصف الدين لا ثلثه؛ لأن اللسان داخل في الجوارح، فيبقى كسب العبد إما بقلبه أو بجوارحه.
وللفقهاء مباحث واسعة في النية باعتبارها مبنى العبادات والعادات وميزانها، من ذلك:
إن النية شرعت لأجل التمييز بين ما هو عبادة وما هو عادة من الأقوال والأفعال، والتفريق - في العبادات - بين ما هو واجب وما هو غير واجب. وفي العادات بين الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح والصحيح والفاسد، والحلال والحرام، وغير ذلك(٤).
إن العمل الواحد إذا تعاقبت عليه نيتان فإن الحكم للأولى، وهذا معنى القاعدة الرابعة من قواعد النية وهي: ((كل ما كان له أصل فلا ينتقل عن أصله بمجرد النية))، وقد اعتمدها القاضي عبد الوهاب في الاحتجاج على أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في أن من اشترى
(١) رواه الستة وغيرهم عن عمر بن الخطاب.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم: ٥٣/١٣. وانظر: فتح الباري: ١١/١.
(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي: ص٧.
(٤) انظر: الموافقات: ٢٣٨/٢.