لزوجته: ((أنت طالق البتة)) يفيد لغة وعرفاً أنه طلقها ثلاثاً؛ لأن مجرد الطلقة مفهوم من قوله: ((أنت طالق)) فلما زاد كلمة ((البتة)) فهمنا من ظاهر العبارة أن الطلقة بائنة. وعلماء اللغة يقولون: ((الزيادة في المبنى تفيد الزيادة في المعنى)). لكن ركانة الذي تلفظ بهذه العبارة حلف للرسول ﷺ أنه إنما قصد منها طلقة واحدة، فرد له ﷺ زوجته بناء على هذا القصد والاعتقاد، لا على العبارة التي تلفظ بها، وقوله ﷺ له: ((هو على ما أردت)) صريح في أن القول محمول على نية القائل وإرادته.
وقول الرجل لزوجته: ((أنت خلية طالق)) يفيد لغة وعرفاً أنه طلقها، لكن عمر رضي الله عنه لم يقض للرجل بطلاق زوجته؛ لأنه لم يكن قاصداً حقيقة العبارة ومعناها الموضوعة له. وإنما قالها بقصد إرضاء زوجته التي طلبت منه أن يسميها بذلك.
فالمدار في الأقوال والألفاظ - إذاً - على المقاصد والنيات لا على ذات الألفاظ. وهذا معنى القاعدة الثانية: ((العبرة بالقصد والمعنى لا باللفظ والمبنى)). ولذلك ذهب مالك وأحمد إلى أن الذي أراد إنشاء اليمين بالطلاق فقال لزوجته: ((أنت طالق البتة)) ثم بدا له فترك اليمين، أنه لا يلزمه طلاق ولا كفارة، أما الطلاق: فلأنه لم يقصد إيقاعه، وأما: الكفارة فلأنه عدل عن اليمين(١)
وتدخل في هذا القبيل أيضاً المقاصد والمعاني التي يعبر عنها أصحابها بألفاظ يلحنون فيها، لذلك احتج القاضي عبد الوهاب على أبي حنيفة
(١) إعلام الموقعين: ٦٣/٣. وانظر: القوانين الفقهية: ص ٢٣٠.