وهكذا فبقدر ما كان يجد من القضايا ويكثر، كان التأليف في الفقه يزدهر وينمو، وبقدر ما كان هذا التأليف يتجدد ويتكاثر، كانت حركة التقعيد والتقنين تتشخص وتزداد ظهوراً وعمقاً. حتى إذا اكتملت المذاهب الفقهية الكبرى ونضجت أصولها ومناهجها في الاجتهاد والاستنباط والفتوى، وجاء عصر كبار الذين تتلمذوا على أئمتها، ونشروها في الآفاق، وشيدوا صروحها - ظهرت حينئذ عوامل جديدة أدت بالفقهاء إلى أن ينطبع تأليفهم بطابع التقعيد والتأصيل، وتبرز فيه القواعد الفقهية كاملة ناضجة. ومن أهم هذه العوامل:
كثرة الفروع والجزئيات التي كانت تفرض على الفقهاء أن يضبطوها بضوابط كلية تندرج في كل منها مجموعة متجانسة الأفراد متشابهة في الأحكام.
تنافس الفقهاء في جمع شتات الأبواب الفقهية، وتقديمها ملخصة جامعة مركزة لطلاب الفقه، ليسهل عليهم أخذها واستيعابها.
انعقاد مناظرات ومساجلات فقهية بين جماعات من الفقهاء من مختلفي المذاهب الفقهية، بحيث كان كل منهم يعرض اجتهاده - في المسألة المعروضة للتنظير والمحاجة - على ضوء أصول مذهبه وقواعده، فكانت طبيعة المجلس تفرض عليه أن يعرض أحكام المسألة مصحوبة بما يقويها ويبرز إلزاميتها من التعليلات وضمانات الاستدلال.
ومثل المناظرات والمساجلات: الكتب والمصنفات التي كتبها بعض الفقهاء ينصرون بها مذاهبهم الفقهية ويحاجون لصحة اجتهادها وقوة استنباطها وفتواها. فكان هذا النوع من التأليف يفرض على الفقيه أن