جرى على ألسنتهم وأقلامهم عبارات ونصوص تصلح أن تكون - أو تصاغ منها - قواعد فقهية كلية، وقد جاءت متأثرة بالقرآن والسنة، مقتبسة من نورهما، وهي كثيرة وافرة، وأكتفي منها بنموذج حي تلقاه الفقهاء وسائر علماء الشريعة الإسلامية بالقبول، وانكبوا عليه بالدراسة والتحليل والاستنباط وأعني بذلك رسالة عمر بن الخطاب في القضاء، التي كتبها لأبي موسى الأشعري، ونصها(١): ((أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آسِ الناس في مجلسك، وفي وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً، ومن ادعى حقاً غائباً أو بينة فاضرب له أمداً ينتهي إليه، فإن بينه أعطيته بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعلماء، ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك، أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجرباً عليه شهادة زور، أو مجلوداً في حد، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة، فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان، ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم
(١) اعتمدت في هذه الرسالة على الرواية التي ساقها ابن القيم في إعلام الموقعين: ٨٥/١ - ٨٦.