أهل العلم خلافهم خلافاً ... (١). ومن ذلك قوله في تحديد العدد الذي تقوم به البينة في إثبات الحقوق التي لا يطلع عليها غير النساء: ((إذا قُبِلْنَ منفردات، أجزأ من عددهن امرأتان. وقال الشافعي: لا يجزئ أقل من أربع نسوة. وقال أبو حنيفة: إن كانت الشهادة فيما بين السرة والركبة، قبل فيه امرأة واحدة. وقال قوم: لا يقبل أقل من ثلاث نسوة))(٢). فانظر كيف فرق في سَوْق الأقوال المخالفة للمذهب، فنسب المعتد بها - منها - إلى أصحاب بذكر أسمائهم. أما غير المعتد بها، فلم يسم أصحابها.
منهجه في الاستدلال(٣):
القاضي عبد الوهاب - كما سبق في الفصل الأول - منظر كبير للمذهب المالكي، وهو في تنظيره هذا، واحتجاجه، لا يخرج عن حدود أصول الاستدلال المرسومة في قواعد الفقه المالكي وأصوله. لذلك يعتبر البحث في منهج الاستدلال - في كتاب ((الإشراف)) - بحثاً في أصول الفقه المالكي وقواعد تنظيره.
ولست قاصداً - هنا - إلى تعميق البحث في هذا المنهج، وإنما أريد - فقط - أن أقوم بعمل الواصف، فأرسم المعالم العامة لهذا المنهج، أو بعبارة أدق، أحدد أبرز هذه الأصول التي يعتمد عليها القاضي عبد الوهاب في
(١) الإشراف: ٦٥/٢.
(٢) الإشراف: ٢٨٩/٢.
(٣) الاستدلال هنا بمعناه اللغوي العام. لا بمفهومه الاصطلاحي، إذ هو - عند الأصوليين - يطلق على نوع خاص من الأدلة العقلية.