بغير الجلالة(١). فهو يحتج بعموم الآية والاستصحاب.
ومن ذلك أيضاً قوله يخالف زفر(٢) في مسألة تتعلق باليمين: ((إذا حلف لا يسكن داراً هو فيها فخرج لوقته لم يحنث، وحكي عن زفر أنه يحنث، ودليلنا أن يمينه على سكنى مستأنفة ومستدامة وذلك معدوم مع خروجه، فلم يحنث))(٣).
وهكذا فكتبه كلها أمثلة تكشف عن عقلية المنظر الكبير الذي رسم أمامه أصول مذهب إمامه مالك، ثم انبرى يحتج لها ويجادل فيها، ويناظر كبار الأئمة والفقهاء. والملاحظ في هذه الأمثلة - ما ذكرنا منها وما لم نذكر - أن القياس والاستدلال العقلي يكاد يأخذ الطابع العام لتنظير القاضي عبد الوهاب، وهذا يدل على تفتح الفقه المالكي وسعته، وعدم جموده على أصول قليلة التعامل مع العقل. والملاحظ فيها أيضاً، أن القاضي عبد الوهاب في تنظيره هذا للفقه المالكي يكشف عن فكره الأصولي الواسع العميق. فالباحث في كتبه عن مادته التنظيرية، ورصيده الحجاجي فيها، إنما يقف على شخصية العالم الأصولي الذي يقتدر على توظيف علم أصول الفقه في إطار الاحتجاج للفروع الفقيهة، والتصرف في ذلك بعقل وبصيرة وبعد نظر، في حدود ما تمليه شريعة الله، وعلى
(١) الإشراف: ٢٥٨/١.
(٢) هو زفر بن الهذيل بن قيس الكوفي من أكبر تلامذة أبي حنيفة. ولد سنة (١١٠هـ) وتوفى سنة (١٥٧ هـ).
(٣) الإِشراف: ٢٣٤/٢.