الباحث على أسماء بعض هذه الكتب، يستطيع أن يستشف ما بداخلها من مادة تنظيرية ضخمة، فكتابه: ((النصرة لمذهب إمام دار الهجرة)) و ((المعونة لدرس مذهب عالم المدينة)) و ((الإشراف على مسائل الخلاف)) ... كل هذه الكتب، تدل بعناوينها على أن موضوعها: الفقه المقارن الذي يحتاج إلى التنظير وقواعد الاستدلال.
ب - من ناحية محتواها ومنهج صاحبها في عرض ما يريد عرضه فيها، وهذه أهم زاوية يطل منها على مادة عبد الوهاب التنظيرية ويتوصل منها إلى مستوى هذا التنظير وقيمته العلمية، فالمباشر لهذه الكتب، الباحث فيها، يقف على عقلية القاضي عبد الوهاب، ويلمس عصارة فكره وذكائه، وما أودعه فيها من رصيده في الرأي والاستدلال العقلي، إلى جانب تحريره الأدلة النقلية ووجوه الاستدلال فيها، والتصرف فيها وفق قواعدها الكلية.
إن الجانب التنظيري هذا، الملموس في كتب القاضي عبد الوهاب يكشف لنا عن تمكنه من أصول الفقه المالكي، وضلاعته في الاستدلال بها والاحتجاج للفروع في إظهارها، فهو شديد التمسك بالاستدلال بأصول المذهب المالكي، من كتاب، وسنة، وإجماع، وقياس، وعمل الصحابة، وعمل أهل المدينة، واستصلاح، وغير ذلك مما هو عند الإمام مالك رحمه الله. وهو في ذلك يناظر كبار الأئمة كأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل، والأوزاعي، وداود الظاهري، كما يناظر كبار تلامذتهم كأبي يوسف، والمزني، وغيرهما. بل إنه يناظر حتى شيوخه وأساتذته، وكبار أعلام المذهب المالكي إذا اختلف معهم في الاجتهاد.