الحنطة بالدقيق كيلا بكيل، ومقررا أن ذلك جائز: ودليلنا على جوازه كيلاً بكيل: أنه ليس في كونه دقيقا أكثر من تفريق أجزاء الحنطة، وذلك لا يمنع الكيل ولا تتأتى المماثلة، لأن الجنس إذا أتى عليه المكيال أخذ من الدقيق كما يأخذ من الحنطة(١).
ومن أمثلة ذلك أيضاً قوله في حكم تحبيس الحيوان والسلاح: وعنه في حبس الحيوان والسلاح روايتان: إحداهما اللزوم، والأخرى نفيه(٢). ويختار القاضي الرواية الأولى، ثم يستدل على اختياره قائلاً: فدليلنا على اللزوم قوله ﷺ في خالد أنه احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله. ولأنه أصل يبقى ويصح الانتفاع به كالعقار(٣).
ومن أمثلة تحقيقه لأقوال المذهب، قوله في حكم الوضوء من إناءين وقع الشك في أيهما الطاهر وأيهما النجس: إذا كان ماءان، إناء أحدهما نجس، والآخر طاهر، وهو شاك في عين النجس، - ويتصور ذلك بأن يكونا متغيرين تغييراً واحداً أحدهما من شيء طاهر، والآخر من شيء نجس -. واختلف أصحاب مالك في ذلك على أربعة مذاهب: قال عبدالملك(٤): يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يتوضأ بالآخر ويصلي، وقال محمد بن مسلمة(٥): يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يغسل أعضاءه من الآخر،
(١) الإِشراف: ٢٥٧/١.
(٢) المصدر السابق: ٨٠/٢ - ٨١.
(٣) المصدر السابق: ٨٠/٢ - ٨١.
(٤) هو عبد الملك بن حبيب من كبار فقهاء المالكية، توفي سنة (٢٣٨هـ) بالأندلس.
(٥) هو أحد أصحاب مالك من فقهاء المدينة، توفي سنة (٢٠٦هـ).