في كلامه السابق الذي قال فيه: «فلو أراد مجرد الطعم على ما يقوله الشافعي لاقتصر على واحد منها لتساوي الأكل في جميعها، إذ لا اعتبار عنده باختلاف صفاته» فقد تبين أنه كلام مردود، لأن الشافعي رحمه الله جعل للأصناف الأربعة الواردة في الحديث، ثلاث صفات هي: القوت، والتفكه، وإصلاح الطعام أو البدن، ثم إن كلام القاضي وتوجيهه للأصناف الأربعة، لا ينطبق على البر والشعير إلا إذا اعتبرنا فيهما التكرار، وهو ما وقعت فيه المذاهب الأخرى - في نظره -.
وهكذا يستمر القاضي في سوق الحجج والأدلة على صواب وسداد رأي الإمام مالك، حتى إنه جاوز بها عشر حجج، بعضها قوي، وبعضها فيه نظر كما رأينا، والذي يهمنا من ذلك كله: أن الرجل شديد التمسك برأي الإمام مالك، فرغم أن مبحث علة ربا الفضل واسع جداً، وأنه ليس من السهولة حسمه بإعمال الرأي والاجتهاد - فإنه يحسم - أو يريد أن يحسم - الخلاف فيه، بتقرير رأي مذهبه وبسطه مصحوباً بحججه العقلية التي أبانت من جهة - قدرته على الجدل والتنظير، وأبانت من جهة أخرى عن شديد تمسكه بمذهب الإمام مالك.
٢ - المثال الثاني: ذهب الإمام مالك رحمه الله - دون غيره من الأئمة الثلاثة - إلى أن البر والشعير جنس واحد في باب ربا الفضل، في حين اعتبرها غيره جنسين استناداً إلى الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، وقد مال بعض فقهاء المالكية إلى ذلك، أي: إلى جعلهما جنسين، مخالفين رأي إمامهم مالك، ومن هؤلاء: الإمام القرطبي فقد قال في تفسيره، عند شرحه لآية الربا من سورة البقرة: وذلك بعد سوقه لحديث عبادة بن