مالك وعلى ضوء أصوله وقواعده ومنهاجه في الاستنباط والاستدلال. وهو ما يصطلح عليه بعض الفقهاء بالاجتهاد المطلق، ويأتي في الدرجة الثانية بعد الاجتهاد المستقل الذي نجده في مثل مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم من الأئمة الكبار.
ويدل على ذلك - أيضاً - ويؤكده أنه في كتاب المقدمات في أصول الفقه بعدما قرر نفس الفكرة وهي وجوب الاجتهاد وكونه موصلاً إلى العلم، وذم التقليد وكونه مفضياً إلى الجهل، ختم ذلك بقوله - متسائلاً ومجيباً -: فإن قيل: فهذا خلاف ما أنتم عليه من دعائكم إلى درس مذهب مالك بن أنس واعتقاده والتدين بصحته وفساد من خالفه !. قلنا: هذا ظن منك بعيد، وإغفال شديد، لأنا لا ندعو من ندعوه إلى ذلك إلا إلى أمر قد عرفنا صحته، وعلمنا صوابه بالطريقة التي قد بيناها، فلم يخالف بدعائنا إليه ما قررناه وعقدنا الباب عليه(١). فهذا كلام واضح في أن اجتهاد الرجل إنما هو في إطار المذهب المالكي، وهو يدل من جانب آخر على أن الفقيه الذي يجتهد ويفتي انطلاقاً من أصول مذهب إمامه، وقواعده ومنهاجه لا يعتبر مقلداً، بل هو مجتهد. ويكفي حجة على اجتهاده أنه قد توصل إلى الحكم الذي يعمل به أو يفتي به، بواسطة النظر والاستدلال. ويوضح ذلك ما قاله بعض أصحاب الشافعي: ما قلدنا الشافعي، ولكن طابق اجتهادنا اجتهاده(٢).
(١) الرد على من أخلد إلى الأرض: ص١٢٦.
(٢) المصدر السابق: ص١٢٦.