Al-qaṣaṣ al-Qurʾānī
القصص القرآني
•
Regions
Egypt
لا ملجأ من الله إلا إليه
قوله تعالى: «وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا»، يقول الشيخ الشنقيطي ﵀ أصل ملتحد مكان الالتحاد، ومنه اللحد في القبر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٤٠] أي: يميلون عن الحق، وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠].
فمعنى اللحد والإلحاد الميل عن الحق، والملحد المائل عن دين الحق، وهنا الملتحد مكان الالتحاد، والمراد به هنا: المكان الذي يميل فيه، فلا ينجيه ذلك مما يريد الله أن يفعله به.
فالنبي ﷺ لا يجد من دونه ملتحدًا، أي مكانًا يميل إليه ويلجأ إليه إن لم يبلغ رسالة ربه ويطعه.
وهذا المعنى جاء مبينًا في مواضع أخر، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢١ - ٢٣]، إلا هنا استثناء منقطع، أي: لا يكون إلا بلاغًا من الله ورسالاته يجيرني من عذاب الله.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٧].
وكونه ليس له ملتحد، أي: مكان يلجأ إليه، تكرر نظيره في القرآن بعبارات مختلفة كالمناص والمحيص والملجأ والموئل والمفر والوزر، كقوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣]، وكقوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء:١٢١]، وكقوله: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [ق:٣٦]، وكقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى:٤٧]، وقال تعالى: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف:٥٨]، وقال: ﴿يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لا وَزَرَ﴾ [القيامة:١٠ - ١١].
وكل ذلك راجع في المعنى إلى شيء واحد، وهو انتفاء مكان يلجئون إليه ويعتصمون به، وهذا دليل على أن الرسول ﵌ إذا كان لا يجد من الله ﷿ ملجئًا إلا إليه، فَمَن دونه أولى بذلك، ولذلك لا يلتجأ إلا إلى الله، لا إلى الرسول ﷺ، ولا إلى أهل البيت، ولا إلى الأولياء.
لا نلتجئ إلا إلى الله بطاعته ﷾، فكيف بمن يستغيث ويحتمي برسول الله ﷺ الذي لا يجد من الله ﷿ ملتحدًا إلا بطاعته؟ فكيف يمكن لأحد أن يستغيث بغير الله أو يلجأ لغير الله؟!
14 / 27