212

Al-qaṣaṣ al-Qurʾānī

القصص القرآني

الحكم لله وحده
ثم ذكر الله ﷾ معنى آخر من معاني التوحيد والإيمان وهو: «وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا»، فهنا انفراده ﷾ بالحكم، وهذا يشمل الحكم الكوني القدري، والحكم الشرعي الديني، والحكم الجزائي يوم القيامة، فالله ﷿ لا يشرك في حكمه أحدًا، فأحكامه القدرية تجري بأوامره ﷾، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وهو ﷾ لم يجعل لأحد من الخلق لا لنبي ولا لملك ولا لولي من الأولياء شيئًا من تدبير الكون أو النفع أو الضر، قال ﷿: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أءله مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢]، فهذا يدل على أن الله لم يجعل هذا لأحد، ولذلك لا يشرك في حكمه الشرعي أحدًا من الخلق، كما قال ﷿ لخير خلقه محمد ﷺ لما قال له الكافرون: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس:١٥]، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس شريكًا لله في الحكم، وإنما هو من عند الله سبحانه وبوحيه، كما قال النبي ﵊: (ألا إن ما حرم رسول الله كما حرم الله، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه).
إذًا لم تأت هذه الأحكام التي حكم بها النبي ﵊ من قبل نفسه، كما قال ﷿: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥]، فالرسول ليس شريكًا مع الله، وحكمه ليس شركًا، ولا يستقل بتشريع، وإنما السنة كالقرآن في التشريع في معرفة حكم الله، فحكم الله بالقرآن هو حكمه بالسنة، والرسول ﷺ لا يشرع للناس من قبل نفسه، إنما يشرع لهم بأمر الله.
والشرعة معناها: الطريقة المسلوكة وهذه طريقة معنوية، فشرع النبي ﵊ أي سيره على طريق، وهذا الطريق هو ما أمر الله ﷿ به وشرعه.
فلا يجوز أن يعتقد لأحد أنه شريك لله ﷾ في حكمه الشرعي، ولذلك قال علي ﵁ لما قال الخوارج: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ»: كلمة حق أريد بها باطل، لما أرادوا منع أن يحكم بين الناس بأحكام تصدر من قبل حكام المسلمين، فاستدلالهم بالآية جهل منهم؛ وذلك لأنه لا يشرك مع الله ﷿ في حكمه أحدًا، وهذا لا يعني أن الناس لا يتحاكمون فيما بينهم، فلا يحكم بعضهم على بعض بالشرع، بل بالتزام شرع الله ﷾.
ولذا قال النبي ﷺ لما قال له الصحابي أبو العسيف: اقض بيننا بكتاب الله، فقال النبي ﷺ: (والله لأقضين بينكما بكتاب الله، الغنم والجارية رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأة هذا الرجم)، فالرسول ﷺ يحكم بما أنزل الله، كما قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٨]، وبذلك لا يجوز لأحد أن ينسب للنبي ﷺ أنه يحكم من قبل نفسه؛ لأن هذا من الشرك، فكيف بمن يعتقد أن الحكم أصلًا هو للسفلة والفجرة والكفرة والمنافقين الذين لا علم لهم بالدين؟! فهذا من الكفر الأكبر المستبين بلا نزاع بين أحد من علماء المسلمين، ومن الأمر الواضح البين، وكذلك من اعتقد أن للبشر أن يشرعوا ما شاءوا من أحكام دون شرع الله ﷾ ودون امتثال أوامره ﷿ وأوامر الرسول ﷺ، الذي هو في الحقيقة لا يحكم من قبل نفسه، إنما هو يبلغ عن الله: «قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ»، فمن اعتقد أن للناس أن يحكموا بما يرونه عدلًا من غير الله فهو كافر خارج عن ملة الإسلام، وهذا أمر ظاهر جلي لكل من تأمل، وهذا الأمر ليس ببعيد، وإنما أعني بذلك أنه وإن كان كل الناس اليوم بحمد الله ﵎ أو أكثرهم أو عامتهم إلا طائفة من الزنادقة المنافقين والعلمانيين الذين أعلنوا ومازالوا يعلنون أنهم لا دخل لهم بالدين، لكن الكثرة الغالبة من المسلمين يعتقدون لزوم الحكم بشرع الله ﷾، وأن الحكم لله ﷾.

14 / 5