199

Al-qaṣaṣ al-Qurʾānī

القصص القرآني

ذم استفتاء الجهال ومماراتهم
ثمرة الخلاف في ذلك قليلة، ولذا قال: «فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا» لا فائدة من المناظرة في مسائل لا سبيل إلى البحث فيها إلا من خلال الوحي، ومن قبل الوحي انقطع عن الكلام، ومن أباه لا ينبغي أن يعارض، ولا ينبغي أن يضيع الوقت معه، ولا ينبغي أن يمارى أو أن يستفتى، وذلك لجهله وضلاله وانحرافه عن الحق، فكيف نستفتيه؟! ولذلك قال ﷿: «فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا»، وهذا دليل على النهي عن استفتاء الجاهل، وأنه لا يجوز أن يستفتى، وهذا بإجماع أهل العلم: أنه لا يجوز لأحد من المستفتين أن يستفتي من يعلم جهله أو بدعته أو فسقه، قال الله ﷾: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، ورتب الذنوب مبتدئًا بتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق، أي: أن الذنب الذي فيه اعتداء على حقوق المخلوقين أشد وأبعد عن المغفرة حتى يسامح ذلك المخلوق، ثم ذكر الشرك، ثم ذكر أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، ولذا كان هذا من أعظم الخطر، ومن يفتي في دين الله ﷾ بما لا يعلم فإنه داخل في هذا الوعيد، وإن كان لا يلزم أن يكون مستويًا مع المشركين، لكنه قد شابههم في بعض فعلهم فاستحق جزءًا من جزائهم.
والذي يرى أن من حقه أن يشرع للناس دينًا وعبادات، أو يرى ذلك حقًا لغيره وينسبها إلى الله ﷿، ويجعل ذلك ضمن الدين الذي شرعه الله؛ فهذا هو الشرك الأكبر الذي عليه كثير من الناس -والعياذ بالله- حيث يجعلون الدين حقًا للناس لهم أن يقولوا فيه ما يشاءون بغير دليل ولا حجة.

13 / 5