Al-qaṣaṣ al-Qurʾānī
القصص القرآني
•
Regions
Egypt
إكرام الله لأصحاب الكهف وحفظه لهم
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد: فقوله سبحانه: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨]، يدل على لطف الله ﷾ بهم وهم نائمون، إذْ قدر الله ﷿ أسباب حفظهم، وأسباب بُعد الطلب عنهم، وبُعد الناس عنهم، وقدر الله ﷾ -كرامة لهم- نومهم، كما أكرمهم في استيقاظهم بتوفيقهم إلى توحيده ﷿، وترك عبادة من دونه، وهذه القصة تدل على إثبات كرامات الأولياء بأنواع القدرة والتأثير، فإن الله ﷾ أبقاهم هذه المدة الطويلة من غير أن تبلى أجسادهم أو تفسد، وهذا من أدلة إثبات كرامات الأولياء، والكرامة: هي ما يكرم الله به عبده المؤمن المتبع لشرعه ﷾ من أنواع خوارق العادات أو من غيرها، ولا يلزم أن يكون إكرامه من خوارق العادات، ولكن هذا هو الاصطلاح المعروف، بل أعظم ما يكرم به العبد أن يكرم بالتوفيق إلى طاعة الله ﷿، وأن يلهم رشده، وأن يكشف له عن سبيل الحق فيلتزمه، فهذه أعظم كرامة للعبد وإن لم يقع له من خوارق العادات، والله ﷾ قد يجمع لعبده المؤمن بين أنواع الكرامات المختلفة من أنواع العلوم، ومن أنواع القدرة، وأعظم ذلك أن يكون موفقًا بقوة من الله ﷾ إلى طاعته، وهو معنى الحديث: (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي) فالله ﷿ يعينه بقوة من عنده ﷾، وتكون هذه الجوارح وهذه القوة مصروفة في مرضاته ﷾.
قال ﷿: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨] أي: أنه تعالى ألقى عليهم المهابة، بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم؛ لما ألبسوا من المهابة والذعر؛ لئلا يدنو منهم أحد، ولا تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء ﵎ فيهم؛ لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة، والرحمة الواسعة؛ رحمة لهؤلاء الفتية المؤمنين، وإنجاء لهم من القوم الظالمين الكافرين، وحكمة بالغة تدل الناس على البعث والنشور، وإثبات قدرة الله ﷾ على إحياء الموتى بعد موتهم يوم القيامة، وكذلك ليثبت ﷾ للناس وليبين لهم مآل المتقين، وحفظه ﷾ لهم من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.
إذًا: فالله ﷿ حفظهم بإلقاء المهابة عليهم حتى لو اطلعت أيها المسلط عليهم ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]، فالخطاب هنا لكل مكلف، ويمكن أن يكون الخطاب للنبي ﷺ.
وذلك حفظًا من الله ﷿ لهم؛ حتى لا يدخل عليهم أحد، أو يصيبهم شيء من الكائنات الأخرى بسوء؛ لأنها تنظر إلى منظر مرعب مخيف فتنصرف.
11 / 2