Al-Mawāqif fī ʿilm al-kalām
المواقف في علم الكلام
الوجه الثالث ما بين هذا المعلول المعين وكل علة من العلل الواقعة في السلسلة التي فرضت غير متناهية متناه لأنه محصور بين حاصرين هما هذا المعلول وتلك العلة ومن المحال أن يكون ما لا يتناهى محصورا بين أمرين يحيطان به فيكون الكل أي كل السلسلة متناهيا أيضا لأنه أي الكل لا يزيد على ذلك أي على الواقع بين هذا المعلول وبين علة ما من تلك العلل إلا بواحد من جانب العلل فإن ما عدا الواحد في هذا الجانب يكون واقعا بينه وبين ذلك المعلول الأخير وإذا كان الواقع بينهما متناهيا ولا شك أن الكل لا يزيد في هذا الجانب على ذلك الواقع إلا بواحد فقط كان الكل الذي لا يزيد على المتناهي إلا بواحد متناهيا وليس ما ذكره من قبيل ما يقال أن ما بين أوب أقل من ذراع وما بين ب وج أقل منها وما بين ج ود كذلك فيكون ما بين أود أقل من ذراع فإنه ظاهر الفساد بل هو من قبيل أن يقال ما بين أوب أقل من ذراع وما بين أود كذلك فإذا أخذ د مع الواقع بينه وبين ألم يزد على ما هو أقل من ذراع إلا بنقطة د وهذا حكم صحيح فإنه إذا كان ما بين هذا الجزء المعين من المسافة وكل جزء منها لا يزيد على فرسخ يكون المجموع أي مجموع المسافة لا يزيد على فرسخ إلا بجزء واحد ضرورة والمراد أن المجموع لو زاد عليه لم يزد إلا بجزء واحد وذلك لأن زيادتها عليه بالجزء الواحد إنما يكون إذا جعل الجزء الأول الذي هو المبدأ داخلا فيما حكم عليه بعدم الزيادة دون الجزء الأخير وفرض أيضا أن المسافة ساوت الفرسخ بما يلي الجزء الأخير وأن فرض المساواة مع إخراج المبدأ كان المجموع زائدا على الفرسخ بجزئين هما المبدأ والمنتهى وما لا يزيد على المتناهي إلا بواحد أو بعدد متناه فهو متناه بالضرورة واعترف من احتج به وسماه برهانا عرشيا وهو صاحب الإشراق بأنه حدسي محتاج إلى حدس ليعلم به صحته وذلك لأن العلل لو كانت متناهية لظهر ظهورا تاما أن ما عدا واحدة معينة منها واقع بينها وبين المعلول الأخير وأما إذا فرضت غير متناهية كما فيما نحن بصدده فليس يظهر هذا المعنى فيه إذ لا يتصور هناك واحدة من العلل إلا وقبلها علة أخرى فكيف يتصور الانحصار لكن صاحب القوة الحدسية يعلم أن هناك واحدة من العلل وإن لم يتعين عندنا ولم يكن للعقل أن يشير إليها إشارة على التعيين وأن تلك الواحدة مع المعلول الأخير محيطة بما عداهما وهذا البرهان الحدسي يعم الأمور المتعددة الموجودة معا المترتبة سواء كان ترتبها من جانب العلل أو المعلولات ولا يجري في المقادير إلا إذا فرض عروض إلا عدد لأجزائها بأن يجعل أذرعا غير متناهية العدد بخلاف برهان التطبيق فإنه جار فيها بدون هذا الفرض
Page 458