323

وعلى هذا فتلك الصفات النفسانية لما امتنع انفكاك بعضها عن بعض لم يقل إن بعضها عين الصفة الأخرى أو غيرها وأورد عليهم المضافات كالأبوة والبنوة والعلية والمعلولية فإنهما متغايران مع امتناع الانفكاك من الجانبين في العدم إذ لا يجوز أن يعدم أحدهما ويوجد الآخر وفي الحيز أيضا إذ ليسا بمتحيزين ولا يلزمهم فإنهما غير موجودين لأن النسب والإضافات أمور اعتبارية لا وجود لها عندهم لكن يرد عليهم الباري مع العالم لامتناع انفكاك العالم عن الباري في العدم لاستحالة عدمه تعالى وفي الحيز أيضا لامتناع تحيزه لا يقال في الجواب عن هذا الإيراد يجوز انفكاك الباري عن العالم في الوجود بأن يوجد الباري ويعدم العالم وحينئذ فقد انفك أحدهما عن الآخر في العدم ويجوز انفكاك العالم عن الباري في الحيز فإن العالم متحيز ويستحيل ذلك على الباري فقد انفك أحدهما عن الآخر في الحيز أيضا والحاصل أن العالم يجوز عدمه وتحيزه ولا يجوز شيء منهما على الباري قد جاز الانفكاك بينهما من أحد الجانبين في كل واحد من العدم والحيز مع أن جواز الانفكاك عنه في العدم فقط أو الحيز فقط كان كافيا في دخولهما في الحد لأنا نقول لو كفى الانفكاك من طرف في الاتصاف بالغيرية لجاز انفكاك الموصوف عن صفته والجزء عن الكل في الوجود أي لكان جواز انفكاك الموصوف عن صفته في الوجود بأن يوجد الموصوف وتعدم الصفة كافيا في تغايرهما لأنه جاز حينئذ انفكاك أحدهما عن الآخر في العدم وكذا الحال إذا وجد الجزء وعدم الكل فإنه قد انفك الكل حينئد عن الجزء في العدم فتكون الصفة والموصوف وكذا الجزء والكل متغايرين وحيث كان الجواب السابق الذي ذكره الآمدي مردودا بما ذكرناه فقيل في الجواب عن الإيراد المراد جواز الانفكاك من الجانبين تعقلا لا وجودا ومنهم من صرح به فقال الغيران هما اللذان يجوز العلم بكل منهما مع الجهل بالآخر ولا يمتنع تعقل العالم والجزم بوجوده بدون تعقل الباري والجزم بوجوده ولذك يحتاج في وجود الباري بعد العلم بوجود العالم إلى الإثبات بالبرهان وهذا الجواب إنما يصح إذا عرف الغيران بأنهما موجودان يجوز الانفكاك بينهما من الجانبين ثم يعترض بالباري والعالم فإنه لا يجوز انفكاك العالم عن الباري في الوجود فيجاب بأنه ليس المراد جواز الانفكاك من الجانبين في الوجود بل في التعقل ولا خفاء في جواز انفكاك كل من العالم والصانع عن الآخر في التعقل وأما إذا زيد في التعريف قيد في عدم أو حيز فلا صحة لهذا الجواب إذ لا يجوز أن يقال يتعقل الباري معدوما أو متحيزا بدون أن يتعقل العالم كذلك إلا إذا جوز كون التعقل أعم من أن يكون مطابقا أو غيره وحينئذ يلزم كون الصفة والموصوف متغايرين إذ يجوز أن يتعقل وجود كل منهما بدون وجود الآخر إما تعقلا مطابقا أو غير مطابق

واعلم أن قولهم أي قول مشايخنا في الصفة مع الموصوف وفي الجزء مع الكل لا هو ولا غيره مما استبعده الجمهور جدا فإنه إثبات للواسطة بين النفي والإثبات إذ الغيرية تساوي نفي العينية فكل ما ليس بعين فهو غير كما أن كل ما هو غير فليس بعين ومنهم من اعتذر عن ذلك بأنه نزاع لفظي لا تعلق له بأمر معنوي وذلك أن هؤلاء خصوا لفظ الغير بأن اصطلحوا على أن الغيرين ما يجوز الانفكاك بينهما وعلى هذا فالشيء بالقياس إلى آخر قد لا يكون عينا ولا غيرا وإذا أجري لفظ الغير على معناه المشهور بلا تخصيص فكل شيء بالقياس إلى آخر إما عين وإما غير ولا شك أنه لا تمتنع التسمية بل لكل أحد أن يسمي أي معنى شاء بأي اسم أراد وهذا الاعتذار ليس بمرض لأنهم ذكروا ذلك في الاعتقادات المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته فكيف يكون أمرا لفظيا محضا متعلقا بمجرد الاصطلاح مع أن بعضهم قد تصدى للاستدلال عليه

Page 400