316

قال المصنف واعلم أنهم عرفوا الوحدة بكون الشيء بحيث لا ينقسم إلى أمور متشاركة في الحقيقة سواء لم ينقسم أصلا كالنقطة مثلا أو انقسم إلى ما يخالفه في الحقيقة كزيد المنقسم إلى أعضائه وعرفوا الكثرة بكون الشيء بحيث ينقسم إلى أمور تشاركه في الحقيقة كفردين أو أفراد من نوع واحد ولا يذهب عليك أن الكثرة المجتمعة من الأمور المختلفة الحقائق كإنسان وفرس وحمار داخلة في حد الوحدة وخارجة عن حد الكثرة فالأولى أن يقال الوحدة كون الشيء بحيث لا ينقسم والكثرة بحيث ينقسم ولا يخفى أن تقابلهما أي تقابل المذكورين في تعريفي الوحدة والكثرة بالسلب والإيجاب وأنه أي تقابل السلب والإيجاب تقابل بالذات فبين الوحدة والكثرة المعرفتين بهذين التعريفين تقابل بالذات لا بالعرض كما ذكروه إلا أن تجعلا أي الوحدة والكثرة أمرين يتبعهما ذلك المذكور في تعريفهما إذ حينئذ جاز أن لا يكون تقابلهما بالذات ولكن لم يثبت كونهما أمرين كذلك ولم يوجد في كلامهم ما يدل على ذلك وفيه نظر لأن تقابل السلب والإيجاب إنما هو بين الأنقسام وسلبه ولا شك أن كون الشيء بحيث لا ينقسم مفهوم مغاير لمفهوم عدم الانقسام وكذا كونه بحيث ينقسم مفهوم مغاير لمفهوم الانقسام فإن قلت في العبارة مساهلة والمقصود أن الوحدة عدم الانقسام قلت هذا على تقدير صحته في الوحدة لا يتأتى في الكثرة لأن حقيقتها مركبة من الوحدات فإذا كانت الوحدة عدم الانقسام كانت حقيقة الكثرة مجموع عدمات انقسامات وذلك مفهوم مغاير لمفهوم الانقسام وإن كان مفهوم الانقسام لازما له ثم قال ولا يبعد أنهم أرادوا الكثير والواحد منه لا مفهوم الواحد والكثير يعني أنه لا يبعد أن يكون مرادهم بقولهم لا تقابل بين الوحدة والكثرة بالذات أنه لا تقابل بين الكثرة والوحدة التي هي جزؤها إلا بالعرض من حيث المكيالية والمكيلية كما تقرر لا أنه لا تقابل بالذات بين مفهومي الوحدة والكثرة وقد نقل عنه أنه قال إن اعتبر التقابل بين مفهوميهما فهو تقابل ذاتي بالسلب والإيجاب والوحدة كما ذكر في الكتاب وإن اعتبر بين ما صدقتا عليه فإما أن يعتبر بين الكثرة والوحدة التي هي جزؤها فهو تقابل بالعرض كما هو المشهور وإن اعتبر بين الكثرة والوحدة التي تطرأ على موضوع الكثرة فتبطلها وتنفيها كالمياه المتعددة إذا صبت في جرة أو بين الوحدة والكثرة الطارئة على موضوع الوحدة النافية إياها كماء واحد صب في أوان متعددة فهو تقابل بالتضاد لأن شأن الضد إذا ورد على محل الآخر أن يبطله وينفيه وشأن الوحدة والكثرة الواردتين على محل واحد كذلك لا يقال الوحدة إذا طرأت على محل لا تفنى الكثرة بالذات بل تبطل الوحدات المقومة لها ثم يلزم من إبطالها إبطال الكثرة بالعرض ومن شأن الضد أن يبطل ضده بالذات لا بالعرض لأنا نقول إبطال الوحدات المقومة عين إبطال الكثرة لأن رفع الجزء هو رفع الكل بعينه بخلاف رفع الكل اللازم فإنه مستلزم لرفع الملزوم ولذلك أمكن أن يتصور رفع اللازم مع بقاء الملزوم وإن كان المتصور محالا ولم يمكن أن يتصور رفع الجزء مع بقاء الكل فإن التصور ههنا محال كالمتصور بقي ههنا بحث وهو أن طريان الوحدة على موضوع الكثرة إنما يتوهم إذا اجتمعت أشياء متعددة بحيث يحصل منها شيء واحد فحينئذ نقول إن كانت تلك الأشياء باقية بأعيانها وقد تركب منها شيء واحد فالكثرة باقية في موضوعها الذي هو تلك الأشياء التي صارت أجزاء للمركب والوحدة عارضة للمجموع من حيث هو مجموع فلا اتحاد في الموضوع ولا إبطال للكثرة وإن زالت تلك الأشياء التي كانت معروضة للكثرة وحصل شيء آخر هو معروض للوحدة فلا اتحاد في الموضوع أيضا لأن موضوع الكثرة هو ذلك الزائل وموضوع الوحدة هو هذا الحادث وقس على ذلك طريان الكثرة على موضوع الوحدة ثم التحقيق المفهوم من كلامهم هو أن الكثرة ملتئمة من الوحدات فإن حقيقة الإثنين مثلا وحدتان فليس هناك شيء يعتبر فيها سوى الوحدتين وأما الانقسام فلازم لتلك الحقيقة خارج عنها وإذا كانت حقيقة الكثرة مركبة من حقيقية الوحدة لم يكن بين حقيقتيهما تقابل بالذات أصلا هذا هو مقصد القوم في هذا المقام لا أن بين مفهومي تعريفيهما تقابلا بالذات أو بالعرض والقول بأن التقابل بين الكثرة والوحدة الطارئة إحديهما على الأخرى المبطلة إياها تقابل التضاد باطل لما عرفت من عدم الاتحاد في الموضوع ولأن الكلام في حقيقتيهما لا في أفرادهما والوحدة المذكورة أعني الوحدة الطارئة على موضوع الكثرة جزء من كثرة مركبة من وحدات كل واحدة منها طارئة على موضوع كثرة مخصوصة ومبطلة إياها فلا تكون ذات هذه الوحدة مقابلة لماهية الكثرة ومن المتصلفين من قال الوحدة والكثرة ضدان إذ نحن لا نوجب بين الضدين غاية الخلاف مع أن الوحدة والكثرة مما يتباعدان جدا ولا نوجب أيضا امتناع تقوم أحد الضدين بالآخر مع أن الوحدة مبطلة للكثرة ليست مقومة لها ولا نشترط أيضا في موضوع الضدين الوحدة الشخصية ثم زعم أنا نعلم أن ذاتيهما مما يتقابلان جزما مع قطع النظر عن المكيالية والمكيلية وهو أيضا مردود بأن ذلك الجزم منا إنما هو لتبادر الذهن إلى أن معروض الوحدة جزء لمعروض الكثرة فلا يكون الموصوف بها شيئا واحدا وليس يلزم من ذلك تقابلهما وإنما يكونان متقابلين بالذات إذا نسبهما العقل إلى شيء واحد وحكم بأن حصول أحدهما فيه مانع من حصول الآخر فتأمل والله الموفق

المقصد الرابع

Page 390