Al-Mawāqif fī ʿilm al-kalām
المواقف في علم الكلام
الوحدة تساوق الوجود أي تساويه فكل ما له وحدة فهو موجود في الجملة وكل موجود له وحدة ما حتى الكثير الذي هو أبعد الأشياء عن الاتصاف بالوحدة إذ كل كثير يحصل له ماهية وحدانية ما هو عين الأتصاف بالوحدة فإن العشرة المخصوصة مثلا عشرة واحدة من العشرات وهو أي اتصاف الكثير بالوحدة لا يمنع تقابلهما أي تقابل الوحدة الكثرة فإنهما لم يعرضا لشيء واحد نعم عرض الوحدة للكثرة لا الكثير الذي عرض له الكثرة ولا استحالة في عروض أحد المتقابلين للآخر إنما المحال عروضه لمعروض الآخر فالعشرية عارضة للجسم مثلا والوحدة عارضة للعشرية فلم يتحدا في الموضوع حتى يكون ذلك مانعا من تتقابلهما فإن قلت فعلى هذا لا يصح أن كل ما هو موجود فله وحدة فإن الكثير موجود ولم يعرض له وحدة كما اعترفتم به قلت المراد من عروض الوحدة للكثرة أنها عارضة لذات الكثير مع ملاحظة صفة الكثرة بخلاف الكثرة فإنها عارضة لتلك الذات بلا ملاحظة كثرة وبعبارة أخرى ذات الكثير من حيث التفصيل معروضة للكثرة ومن حيث الإجمال معروضة للوحدة ولا استحالة في عروض المتقابلين لشيء واحد من جهتين ولنا أن نقول الوحدة عارضة للكثرة بالذات وللكثير بالعرض ولأجل ذلك التساوي الذي بينهما ظن بعضهم أنها أي الوحدة نفس الوجود فتكون الوحدة الشخصية نفس الوجود الشخصي الثابت لكل موجود معين ويبطله أنه لو كان الوجود الشخصي نفس الوحدة الشخصية لكان التفريق الواقع في الجسم الواحد إعداما لذلك الجسم المشخص وإيجادا لجسمين آخرين إذ بالتفريق تبطل الوحدة المخصوصة فيبطل الوجود المخصوص وأنه أي كون التفريق إعداما باطل إذ ليس شق البعوض بإبرته البحر الأخضر إعداما له وإيجادا لبحرين آخرين ضرورة والمجوز لذلك بناء على أنه مجرد استبعاد لا ينافي الجواز مكابر لمقتضى عقله لا يخاطب ولا يناظر وإنما جوزه من جوزه بناء على أن الصورة الجسمية هوية متصلة في حد ذاتها فإذا ورد عليها الانفصال زالت تلك الهوية الانفصالية ووجد هويتان أخريان اتصاليتان والموجود في الحالتين معا هو الهيولى التي لا اتصال لها في نفسها ولا انفصال بل تجامع كل منهما وهي هي وهذا الدليل بعينه يدل على أن الوحدة ليست عين التشخص فإن الجسم البسيط الواحد إذا جزىء زالت وحدته دون هويته الشخصية وإلا كان التفريق إعداما ويدل عليه أيضا أن الأمور الكلية موصوفة بالوحدة دون التشخص وأيضا فالوجود يجامع الكثرة والوحدة لا تجامعها ومعنى ذلك ما فصله بقوله فالكثير من حيث هو كثير أي من حيث تلاحظ كثرته وتفصيله موجود ليس من هذه الحيثية بواحد وذلك دليل التغاير إذ لو كانا متحدين لكان إذا صدق أحدهما على شيء من جهة صدق عليه الآخر من تلك الجهة وهي أي الوحدة مغايرة للماهية زائدة عليها لأنها أي الماهية من حيث هي تقبل الكثرة وإذا أخذت مع الوحدة تأباها فلا تكون الوحدة نفسها ولا جزءها على قياس ما مر في بحث الوجود والكثرة أيضا غير الماهية بل زائدة عليها لمثل ذلك فإن الماهية كالإنسانية مثلا من حيث هي قابلة للوحدة إذا أخذت مع الكثرة مفصلة كانت آبية عنها والكثرة غير الوجود وإلا يلزم كون الجمع إعداما فإنه إذا جمع أجسام كميات في ظروف متعددة وجعلت في طرف واحد فقد زالت كثرتها التي هي وجودها فرضا فيلزم إعدام تلك الأجسام وإيجاد جسم واحد وأنه باطل والمجوز مكابر وإنما لم يتعرض لتعريف الوحدة والكثرة لأنهما بديهيتان بمثل ما مر في الوجود فإن تصور الوحدة جزء من تصور وحدتي المتصورة بالضرورة وأيضا فإن كل أحد يعلم أنه واحد بلا كسب منه وكأن في التصريح بمساوقة الوحدة للوجود نوع إشعار ببداهتها على قياس بداهته وقس حال الكثرة على حال الوحدة وقد يقال الوحدة أعرف عند العقل من الكثرة والكثرة أعرف عنه الخيال من الوحدة فإن النفس تدرك أولا جزئيات ترتسم صورها في آلاتها ثم تنتزع من تلك الجزئيات المتكثرة صورة كلية واحدة ترتسم في العقل أي في ذات النفس فالوحدة عارضة لما هو حاصل في النفس والكثرة عارضة لما هو في الآلة والمدرك للكل هو النفس ليس إلا فإذا اعتبرت من حيث أنها مدركة بذاتها كان العارض لما ارتسم فيها أظهر عندها من العارض لما ارتسم من آلاتها وإذا اعتبرت من حيث أنها مدركة بالآلات إنعكس الحال في العارضين سواء أخذا كليين أو جزئين قالوا فيجوز التنبيه على معنى كل من الوحدة والكثرة بصاحبتها إلا أن الوحدة لما كانت مبدأ الكثرة ومنها وجودها كان التنبيه عليها بالوحدة أولى من العكس بل لا يبعد أن يقال تعريف الكثرة بها تعريف حقيقي
المقصر الثاني
قد اختلف في وجودهما فأثبته الحكماء وأنكره المتكلمون وقد اطلعت أنت فيما مر على المأخذ من الجانبين فيقال من جانب المثبت الوحدة جزء من الواحد الموجود في الخارج فتكون موجودة فيه وأيضا لو كانت عدمية لم تتحقق إلا باعتبار العقل فلا يكون الواحد واحدا في نفسه وأيضا هي نقيض اللاوحدة العدمية وأيضا لا فرق بين وحدته وبين لا وحدته له وقد عرفت أجوبتها أيضا وقس حال الكثرة عليها ويقال من جانب النافي لو وجدت الوحدة لشاركت الوحدات في الوحدة وامتازت عنها بخصوصية فللوحدة وحدة أخرى وأيضا لو كانت موجودة لتوقف إنضمامها إلى الماهية على كونها واحدة لامتناع عروض الوحدة للمتصف بالكثرة وإذا كانت الوحدة عدمية كانت الكثرة المركبة منها كذلك وأيضا يمكن إجراء الدليلين فيها وقد تقدم جوابهما ويخص الوحدة هنا دليل دال على كونها وجودية هو أنه لو كانت الوحدة عدما لكان عدم الكثرة التي تقابلها لامتناع أن تكون عدما مطلقا أو عدما لشيء آخر لا تقابله وإذا كانت عدما للكثرة فالكثرة إما وجودية والوحدة جزؤها فتكون الوحدة أيضا موجودة على تقدير كونها معدومة وهذا خلف مع أنه المطلوب وإما عدمية فتكون الوحدة عدما للعدم فتكون ثبوتية وهذا قريب مما نقله عن الإمام الرازي في باب التعين والجواب عنه ما سبق هناك بعينه
المقصر الثالث
بين الوحدة والكثرة مقابلة قطعا إذ لا يجوز اجتماعهما في شيء واحد من جهة واحدة لكن مقابلة الوحدة والكثرة ليست ذاتية أي ليس بين ذاتيهما تقابل لأنهما لا تعرضان لموضوع واحد بالشخص أي ليستا منسوبتين بالعروض إلى موضوع واحد شخصي واتحاد الموضوع معتبر في المتقابلين مطلقا لأن التقابل هو امتناع اجتماع شيئين في موضوع واحد من جهة واحدة ومعنى ذلك أن العقل إذا لاحظهما وقاسهما إلى موضوع واحد شخصي جوز بمجرد ملاحظتهما ثبوت كل واحد منهما فيه على سبيل البدل دون الاجتماع من جهة واحدة لكن ربما امتنع ثبوت أحدهما له بسبب تعين الآخر فيه لأمر من خارج وليس الحال في الوحدة والكثرة كذلك لأن موضوع الوحدة جزء لموضوع الكثرة كما أن الوحدة جزء لها ولأن الوحدة متقدمة وجوبا على الكثرة لأنها مبدأ لها وجزء منها فلا تكون الوحدة متضايقة للكثرة لأن المتضايقين متكافئان لا تقدم لأحدهما على الآخر وجودا ولا تعقلا وأيضا يمكن تعقل الوحدة بدون الكثرة فلا تضايف بينهما ولا ضدا لها إذا ليس أحد الضدين متقدما على الآخر وجوبا والوحدة مقومة للكثرة فلا تكون الوحدة عدما لها فلا يكون التفاعل بينهما تقابل العدم والملكة ولا السلب والإيجاب لأن أحدهما لا يقوم الآخر ولا ضدا أيضا لأن أحد الضدين لا يقوم ضده وإنما جعل التقدم اللازم من التقويم دليلا على نفي التضايف والتضاد لأن دلالة التقدم على نفي التضايف ظاهرة جدا ويقرب منها دلالته على نفي التضاد بخلاف القسمين الباقيين فإن تعقل الملكة متقدم على تعقل العدم وكذا تعقل الإيجاب متقدم على تعقل
Page 385