Al-Mawāqif fī ʿilm al-kalām
المواقف في علم الكلام
فمن أثبت صفات متعددة لإله واحد لا يكون كافرا وسيأتيك في بحث الصفات القائمة بذاته تعالى تتمة لهذا الكلام وأما غير ذات الله تعالى وصفاته فلا يوصف بالقدم بإجماع المتكلمين لأن ما سوى الله تعالى مخلوق وكل مخلوق حادث عندهم وجوزه الحكماء إذ قالوا العالم قديم على التفصيل الذي ستطلع عليه في البحث عن حدوث العالم وأثبت الحرنانيون من المجوس وهم فرقة منهم منسوبة إلى رجل يقال له حرنان قدماء خمسة اثنان منها عالمان حيان والأولى كما في المحصل اثنان حيان فاعلان وهما الباري والنفس أما الباري فهو قديم وحي وفاعل لهذا العالم وأما النفس والمراد بها ما يكون مبدأ للحياة وهي الأرواح البشرية والسماوية فهي حية لذواتها وقديمة أيضا إذ لو كانت حادثة لكانت مادية وفاعلة في الأجسام التي تعلقت بها تعلق التدبير والتصرف وثلاثة لا عالمة ولا حية ولا فاعلة بل واحد منها منفعل واثنان لا فاعلان ولا منفعلان هي الهيولى والفضاء والدهر فالهيولى قديمة وإلا احتاجت إلى هيولى أخرى هي منفعلة بقبول الصور فلا تكون فاعلة وإلا لكانت مع بساطتها قابلة وفاعلة معا وليست بحية وهو ظاهر والمراد بالفضاء هو الخلاء ولو لم يكن قديما لارتفع الامتياز عن الجهات فلا تتميز جهة اليمين عن اليسار ولا جهة الفوق عن التحت وذلك أمر غير معقول والدهر هو الزمان ولا يتصور تقدم عدمه على وجوده لأنه تقدم زماني فيجتمع وجوده مع عدمه وهذان أعني الخلاء والزمان لا فاعلان ولا منفعلان
قال الإمام الرازي كان هذا المذهب مستورا فيما بين المذاهب فمال إليه ابن زكرياء الطبيب الرازي وأظهره وعمل فيه كتابا مسمى بالقول في القدماء الخمسة وستقف على مأخذهم في أثناء ما يرد عليك في الكتاب وقد أشرنا نحن إلى ذلك إشارة خفية
المقصد السادس
في أبحاث الحدوث وهي أيضا راجعة إلى أمرين
أحدهما أن الحادث هو المسبوق بالعدم أي يكون عدمه قبل وجوده فيكون له أي لوجوده أول هو أي الحادث معدوم قبله أي قبل ذلك وهذا الأول هو المسمى بالحادث الزماني ويقابله القديم الزماني وقيل هو المسبوق بالغير سبقا ذاتيا سواء كان هناك سبق زماني أو لا وهو المسمى بالحادث الذاتي وبإزائه القديم الذاتي فيكون الحادث بالتفسير الثاني أعم منه بالتفسير الأول إذ المعلول القديم بحسب الزمان إن ثبت كان حادثا بهذا المعنى الثاني لأن كل معلول مسبوق بغيره الذي هو علته سبقا ذاتيا دون المعنى الأول
Page 374