291

قال المصنف ولا يخفى أنه أي ما ذكره هذا القائل مغالطة نشأت من اشتباه الأمور الذهنية بالخارجية وتنزيلها منزلتها لأنهم لم يريدوا بقولهم إن الحدوث علة الحاجة أو جزؤها أو شرطها إلا أن حكم العقل بالحاجة لملاحظة الحدوث إما وحده أو مع الإمكان وهذا حق لا شبهة فيه لأن الحدوث علة في الخارج للحاجة فيوجد الحدوث في الخارج أولا فتوجد الحاجة فيه ثانيا لأن الحدوث والحاجة أمران اعتباريان فكيف يتصور كون أحدهما علة للآخر في الخارج حتى يرد عليه أنه يلزم منه تقدم الشيء على نفسه بمراتب ونحن نقول إن قولنا الممكن محتاج في وجوده إلى مؤثر قضية صادقة في نفس الأمر فيكون الممكن موصوفا في حد ذاته بالحاجة إلى غيره فكما أن أتصاف الشيء بالصفات الوجودية يحتاج إلى علة هي ذات الموصوف أو غيره كذلك اتصافه بالصفات العدمية محتاج إليها والفرق بين الوجودية والعدمية أن الوجودية تحتاج إلى العلة في وجودها أيضا دون العدمية إذ لا وجود لها ألا ترى أنه إذا قيل لم اتصف زيد بالعمى كان سؤالا مقبولا عند العقلاء بخلاف ما لو قيل لأي شيء وجد العمى في نفسه وكما يجوز أن يعلل اتصاف الشيء بوصف من الأوصاف الثبوتية باتصافه ببعض آخر منها كذلك يجوز أن يعلل اتصافه ببعض الاعتباريات ببعض آخر منها وكما أن العلل هناك موصوفة بالتقدم على معلولاتها كذلك ههنا موصوفة به أيضا إذا عرفت هذا فالمقصود في هذا المقام بيان أن علة اتصاف الممكن بالحاجة في نفس الأمر ماذا فذهب القدماء إلى أن تلك العلة هي اتصافه بالإمكان وذهب جمهور المتأخرين إلى أنها اتصافه بالحدوث وحده أو مع غيره فورد عليهم أن اتصاف الحادث بالحدوث في نفس الأمر متأخر بالذات عن اتصافه بالوجود فيها واتصافه بالوجود متأخر كذلك عن الإيجاد وهو أيضا متأخر كذلك عن احتياجه فلا يمكن أن يكون اتصافه بالحدوث علة لاتصافه بالحاجة وهذا كلام منقح لا مغالطة فيه أصلا إذ لم يرد به أن هذه الأمور موجودات خارجية وبعضها علل لبعض في الخارج حتى يكون من قبيل تنزيل الاعتباريات منزلة الحقيقيات بل أريد أنها أمور اعتبارية لا حاجة بها إلى علة في وجودها لكن الأشياء متصفة بها في نفس الأمر فلا بد لذلك الاتصاف من علة متقدمة على معلولها بحسب نفس الأمر كما مر وأما قوله لأنهم لم يريدوا به إلى آخره فإن أراد به أن الحدوث علة لحكم العقل بالحاجة مع كونه علة للحاجة في نفس الأمر دون الخارج كما حققناه كان الدور لازما قطعا وإن أراد به أنه علة للحكم والتصديق بالحاجة فقط لم يكن له تعلق بهذا المقام إذ المقصود فيه بيان علة الحاجة لا بيان علة التصديق بها كما لا يخفى فإن قيل الإمكان متأخر أيضا عن الوجود لأنه كيفية لنسبة الوجود إلى الماهية فيتأخر عنها كالحدوث قلنا الامكان متأخر عن الماهية نفسها وعن مفهوم الوجود أيضا لكنه ليس متأخرا عن كون الماهية موجودة ولهذا توصف الماهية ووجودها بالإمكان قبل أن تتصف به الماهية وأما الحدوث فلا توصف به الماهية ولا وجودها إلا حال كونها موجودة

وثانيها أي ثاني أبحاث الممكن الممكن لا يكون أحد طرفيه أي الوجود أو العدم أولى به لذاته

Page 356