273

قال المصنف والمنع ما ذكرنا من أن وجوب الوجوب نفسه وتلخيصه أن ما حقيقته غير الوجوب فإنه لا يكون واجبا إلا بوجوب يقوم به وأما الذي حقيقته الوجوب فإنه واجب بذاته لا بوجوب زائد على ذاته وكذلك القدم فإنه قديم بذاته لا بقدم زائد عليه قائم به كما في غيره من المفهومات وكذا الحال في نظائرهما هذه هي القاعدة الأولى وأما الثانية فهي قوله وكذا أي وكذا اعتباري أيضا كل ما لا يجب من الصفات تأخره عن الوجود أي وجود الموصوف كالوجود فإنه على تقدير كونه زائدا يجب أن يكون من المعقولات الثانية إذ لا يجب أن يكون ثبوته للماهية متأخرا عن وجودها بل يمتنع ذلك والحدوث والذاتية والعرضية وأمثالها فإنها صفات لا يجب تأخرها عن وجود موصوفاتها في الخارج فيجب أن تكون اعتبارية إذ لو كانت وجودية لجاز اتصاف الماهية حال عدمها في الخارج بصفة موجودة فيه وأنه محال بالضرورة فهذا الذي ذكرناه من القاعدتين ضابط وأصل كلا شامل لموارد متعددة أعطيناكه ههنا حذفا لمؤنة التكرار عنا فاحتفظ به واعتن بشأنه واستعمله في تلك الموارد المندرجة فيه لينكشف عندك حال الأمور الاعتبارية واعلم أن هذه الوجوب والإمكان والامتناع التي نحن فيها غير الوجوب والإمكان والامتناع التي هي جهات القضايا في التعقل أو الذكر وموادها بحسب نفس الأمر وذلك لأن المبحوث عنها ههنا وجوب الوجود وامتناع الوجود وإمكان الوجود والعدم فهي جهات ومواد في قضايا مخصوصة محمولاتها وجود الشيء في نفسه فتكون أخص من جهات القضايا وموادها فإن المحمول في القضية قد يكون وجود الشيء في نفسه وقد يكون مفهوما آخر وحينئذ إما أن يعتبر وجود ذلك المفهوم للموضوع حقيقة كالسواد في قولنا زيد أسود وإما أن يعتبر مجرد اتصاف الموضوع بذلك المفهوم الاعتباري الذي لا وجود له في الخارج كالعمى في قولنا زيد أعمى والوجوب والإمكان والامتناع التي هي جهات القضايا ومواردها جارية في الكل فيقال زيد يجب أن يكون أسود أو أعمى أو يمتنع أو يمكن كما يقال زيد يجب وجوده أو يمتنع أو يمكن وهذا الأخير هو الذي نحن بصدده إذ مرادنا بالواجب ههنا هو الواجب الوجود لا الواجب الحيوانية أو السوادية أو غيرهما وكذا الحال في الممتنع والممكن وإلا أي وإن تكن هذه غير جهات القضايا وموادها بل كانت عينها لكانت لوازم الماهيات واجبة لذواتها أي كانت تلك اللوازم من قبيل الواجب الذي نحن نبحث عنه وليست كذلك فإذا قلنا مثلا الزوجية واجبة للأربعة فنعني به وجوب الحمل أي حمل الزوجية على الأربعة وامتناع الانفكاك أي انفكاك الأربعة عن صفة الزوجية وهذا أي وجوب الحمل الذي بين الأربعة والزوجية غير الوجوب الذاتي الذي بين الشيء ووجوده ألا ترى أن الأربعة واجبة الزوجية لا واجبة الوجود وأن الزوجية واجبة الحمل والصدق على الأربعة لا واجبة الوجود في نفسها وتحقيقه ما صورناه لك فلا تغفل عنه وقد زعم بعض المجادلين أنها أي هذه الأمور الثلاثة سوى الامتناع إذ لم يدع أحد كونه وجوديا أمور وجودية لوجوه ثلاثة جارية في كل واحد من الوجوب والإمكان

الأول الوجوب لو كان أمرا عدميا لم يتحقق إلا باعتبار العقل له إذ لا تحقق للعدميات في أنفسها إنما تحققها باعتبار العقل لها فيلزم أن لا يكون الواجب واجبا إلا إذا اعتبر العقل وجوبه والتالي باطل فإن الواجب في نفسه مع قطع النظر عن غيره سواء وجد فرض من عقل أم لا يوجد فرض أصلا بل ولو فرض عدم العقول كلها وحينئذ لا يتصور أن يوجد منها فرض الوجوب قطعا لم يقدح ذلك في وجوب الواجب ولم يخرج به الواجب عن كونه واجبا وهكذا الحال في الإمكان فيكون كل منهما وجوديا والجواب النقض بالامتناع والعدم إذ كل منهما ثابت لموصوفه سواء وجد فرض من عقل أم لم يوجد وليس شيء منهما موجودا بالضرورة والاتفاق والحل أن يقال اتصاف الذات بصفة في الخارج أو نفس الأمر لا يقتضي كون تلك الصفة موجودة في أحدهما ألا ترى أن زيدا أعمى في الخارج وليس العمى موجودا فيه وذلك لأن الموجود في الخارج ما يكون الخارج ظرفا لوجوده لا ظرفا لاتصاف شيء آخر به وكذا الحال في نفس الأمر فلا يلزم من كون الصفة كالوجوب والإمكان مثلا أمرا عدميا اعتباريا أن لا يكون شيء موصوفا بها في نفس الأمر

Page 334