Al-Mawāqif fī ʿilm al-kalām
المواقف في علم الكلام
والثاني اختلف العلماء في كونه ثبوتيا زائدا على ماهية معروضة وأما الإمكان فلهذا الوجه بعينه أشار به إلى الوجه الأول فيقال لو كان الإمكان موجودا لكان إما واجبا أو ممكنا فإن كان واجبا مع كونه صفة للممكن كان موصوفه أولى منه بالوجوب فكان الممكن واجبا هذا خلف وإن كان ممكنا نقلنا الكلام إلى إمكانه ويتسلسل ويجاب بأن إمكان الإمكان نفسه على قياس ما مر في الوجوب ولم يشر به إلى الوجه الثاني كما توهمه العبارة إذ لا دليل على استحالة كونه صفة قائمة بالممكن بخلاف الوجوب إذ يلزم منه كون الماهية واجبة قبل وجوبها كما سيأتي وقد يتكلف إجراء الثاني في الإمكان فيقال لو كان موجودا لكان إما نفس ماهية الممكن أو جزءها ويبطل كلا منهما كونه نسبة بين الماهية والوجود أو كان زائدا عليها قائما بها فيكون معلولا لها إذ يستحيل استفادتها إمكانها الذاتي من غيرها وإلا لم تكن ممكنة في حد ذاتها والعلة متقدمة على المعلول بالوجوب فذلك الوجوب إما بالذات وهو محال في الممكن وإما بالغير والوجوب بالغير فرع الإمكان الذاتي فللممكن قبل إمكانه إمكان آخر ووجه آخر وهو أنه أي الإمكان سابق على الوجود لأن الشيء يمكن وجوده في نفسه فيوجد من غيره والصفة الثبوتية متأخرة عنه أي عن الوجود فإن قيام الصفة الموجودة بموصفها فرع لوجوده فلا يكون الإمكان صفة موجودة وربما يستعمل هذا الوجه الآخر في الوجوب كما استعمله الإمام الرازي فيقال الوجوب سابق على الوجود سبقا ذاتيا لأن إيجاب ماهيته لوجوده يستتبع وجوده عقلا ولذلك صح أن يقال اقتضى ذاته وجوده فوجود الصفة الثبوتية يستحيل أن يسبق على وجود موصوفها سبقا ذاتيا ويكفينا في الاستدلال على كون الوجوب أو الإمكان أمرا عدميا امتناع تأخره عن وجود الموصوف فلا نحتاج في ذلك إلى بيان التقدم فلا يتوجه علينا أنا لا نسلم تقدمه لجواز أن يكون معه وحينئذ نقول لا شبهة في أن الإمكان أو الوجوب يمتنع تأخره عن وجود موصوفه وكل صفة ثبوتية لا يمتنع تأخرها عن وجود موصوفها بل يجب تأخرها عنه ويكون هذا الدليل مطردا في كل صفة يمتنع تأخرها عن وجود موصوفها كالحدوث ونظائره ضابط يشتمل على قاعدتين ذكرهما صاحب التلويحات إحديهما أساس الوجه الأول الدال على كون كل واحد من الوجوب والإمكان أمرا اعتباريا والثانية أساس الوجه الآخر الذي استعمل في الوجوب أيضا إذا اكتفى فيه بامتناع التأخر أن كل ما تكرر نوعه أي يتصف أي شخص يفرض منه بمفهومه فهو اعتباري أي كل نوع كان بحيث إذا فرض أن فردا منه أي فرد كان موجود يجب أن يتصف ذلك الفرد بذلك النوع حتى يوجد ذلك النوع فيه مرتين مرة على أنه حقيقته ومرة على أنه صفته فإنه يجب أن يكون اعتباريا لا وجود له في الخارج وإلا لزم التسلسل في الأمور الخارجية المترتبة الموجودة معا نحو التقدم فإنه لو وجد فرد منه لقدم ذلك الفرد وإلا كان ذلك الفرد حادثا مسبوقا بالعدم ولا شك أن القدم صفة لازمة لا يتصور انفكاك موصوفها عنها فإذا كانت مسبوقة بالعدم كان الموصوف أيضا كذلك فيلزم حدوث القديم والحدوث فإنه لو وجد فرد منه لحدث وإلا كان قديما فالموصوف به أولى بالقدم فيكون الحادث قديما والبقاء فإنه لو وجد لبقي وإلا اتصف بالفناء وإذا كان البقاء فانيا لم يكن الباقي باقيا والموصوفية فإنها لو وجدت لكانت الماهية موصوفة بها فيكون هناك موصوفية أخرى والوحدة فإنها لو وجدت لكانت الواحدة وإلا كانت كثيرة فتنقسم الوحدة والتعين فإنه لو وجد لكان له تعين آخر وقس على هذا فيلزم من كون هذه الأمور وأمثالها وجودية ذلك التسلسل الباطل
Page 332