Al-Mawāqif fī ʿilm al-kalām
المواقف في علم الكلام
والجواب أن المراد بالمعين الذي ادعينا وجوده هو الشخص مثل زيد ولا ريبة لعاقل في وجوده وليس مفهومه مفهوم الإنسان وحده قطعا وإلا لصدق على عمرو أنه زيد كما يصدق عليه أنه إنسان فإذا هو الأنسان مع شيء آخر نسميه التعين فيكون ذلك الشيء الآخر جزء زيد فيوجد ذلك الآخر وهو المطلوب ثم أنه بين أن تركب الشخص المعين من الماهية والتعين إنما هو بحسب الذهن دون الخارج فقال واعلم أن نسبة الماهية إلى المشخصات كنسبة الجنس إلى الفصول فكما أن الجنس مبهم في العقل يحتمل ماهيات متعددة ولا تعين لشيء منها إلا بانضمام فصل إليه وهما متحدان ذاتا وجعلا ووجودا في الخارج ولا يتمايزان إلا في الذهن كذلك الماهية النوعية تحتمل هويات متعددة ولا تعين لشيء منها إلا بمشخص ينضم إليها وهما متحدان ف يالخارج ذاتا وجعلا ووجودا ومتمايزان في الذهن فقط فليس في الخارج موجود هو الماهية الإنسانية مثلا وموجود آخر هو التشخص حتى يتركب منهما فرد منها وإلا لم يصح حمل الماهية على أفرادها بل ليس هناك إلا موجود واحد أعني الهوية الشخصية إلا أن العقل يفصلها إلى ماهية نوعية وتشخص كما يفصل الماهية النوعية إلى الجنس والفصل ثم أشار إلى الفرق بقوله بيد أنه لا يحصل من كل مشخص صورة في العقل مغايرة للصورة الأخرى الحاصلة من مشخص آخر لأن المشخصات أمور جزئية لا ترتسم صورها في ذات النفس بل في آلاتها فكذا صورة الماهية المتشخصة إنما ترتسم في الالة ولا تتناولها إلا الإشارة الحسية أو الوهمية بخلاف صور الفصول وما يتحصل بها من الأنواع فإنها أمور كلية يتحصل منها في العقل صور متغايرة وبالجملة فالفصول تحصل ماهيات متخالفة تنطبع في العقول والمشخصات تحصل هويات ترتسم في الحواس مع كون الماهية واحدة والأشخاص تمايزها في الوجود الخارجي بهوياتها أي بذواتها لا بمشخصاتها كما يتبادر إليه الوهم إذ لا تمايز في هذا الوجود بين الماهية والمشخص ومن ههنا ظهر أن لا وجود في الخارج إلا للأشخاص وأما الطبائع والمفهومات الكلية فينتزعها العقل من الأشخاص تارة من ذواتها وأخرى من الأعراض المكتنفة بها بحسب استعدادات مختلفة واعتبارات شتى فمن قال بوجود الطبائع في الخارج إن أراد به أن الطبيعة الإنسانية مثلا بعينها موجودة في الخارج مشتركة بين أفرادها لزمه أن يكون الأمر الواحد بالشخص في أمكنة متعددة متصفا بصفات متضادة لأن كل موجود خارجي فهو بحيث إذا نظر إليه في نفسه مع قطع النظر عن غيره كان متعينا في حد ذاته غير قابل للاشتراك فيه بديهة وإن أراد أن في الخارج موجودا إذا تصور هو في ذاته اتصفت صورته العقلية بالكلية بمعنى المطابقة لكثيرين لا بمعنى الاشتراك بينهما بالفعل فهو أيضا باطل لما مر آنفا من أن الموجود الخارجي متعين في حد نفسه فلا تكون صورته المخصوصة مطابقة لكثيرين وإن أراد أن في الخارج موجودا رذا تصور وجرد عن مشخصاته حصل منه في العقل صورة كلية فذلك بعينه مذهب من قال لا وجود في الخارج إلا للأشخاص والطبائع الكلية منتزعة منها فلا نزاع إلا في العبارة وأما ما يقال من أن الطبيعة الإنسانية مثلا قابلة في نفسها للتعدد والتكثير فتحتاج إلى من يكثرها فإذا تكثرت بتكثير الفاعل ووجدت تلك الكثرة في الخارج كان كل واحد منها عين تلك الطبيعة فتكون الطبيعة الإنسانية موجودة في الخارج على أنها متكثرة لا على أنها متصفة بالوحدة حتى يلزم ذلك المحذور فجوابه أن كل واحد من تلك الكثرة لا بد أن يشتمل على أمر زائد هو تشخصه وتعينه فليس شيء منها عين تلك الطبيعة كيف ولو كان كذلك لكان كل واحد من تلك الكثرة عين الآخر منها وهو باطل بديهة
Page 318