Al-Mawāqif fī ʿilm al-kalām
المواقف في علم الكلام
لا بد في تركيب الماهية الحقيقية من حاجة الأجزاء بعضها إلى بعض إذ لو استغنى كل من الأجزاء عن الآخر لم يحصل منهما ماهية واحدة وحدة حقيقية كالحجر الموضوع بجنب الإنسانية قالوا هذا الحكم الكلي بديهي والتمثيل للتوضيح وأورد العسكر فإنه مركب من الآحاد مع استغناء كل منها عن الآخر والمعجون فإنه مركب من المفردات مع أن كل مفرد منها مستغن عما عداه فانتقد ذلك الحكم الكلي وأجيب عنه بأن الجزء الصوري فيهما وهو الهيئة الاجتماعية العارضة للآحاد كلها وللمفردات بأسرها محتاج إلى الجزء المادي الذي هو الآحاد والمفردات وهو ضعيف لأن مثل هذه الهيئة الاعتبارية عارضة للإنسان والحجر الموضوع بجنبه فلو كان احتياجها كافيا لكان المركب منهما ماهية حقيقية وهو باطل بالضرورة والأولى في الجواب أن يقال أما المعجون فلا بد فيه من مزاج أي صورة نوعية تابعة للمزاج يستعقب كيفيات وآثارا صادرة عنه وأنه أي ذلك المزاج بمعنى الصورة جزء من المعجون ومحتاج إلى الأجزاء الأخر لحلوله فيها ويؤيد ما ذكرناه قول الإمام الرازي في المباحث المشرقية وأما الجزء الآخر وهو الصورة المعجونية التي هي مبدأ الآثار الصادرة عنه فهي محتاجة إلى الجزء الأول الذي هو مجموع المفردات وعلى هذا فلا إشكال وإن حمل المزاج على معناه الحقيقي وجعل جزءا من المعجون محتاجا إلى باقي الأجزاء لزم تركيب الجوهر الذي هو المعجون من جوهر وعرض وقد جوزه بعضهم متمسكا بتركب السرير من جوهر هو القطع الخشبية وعرض هو الترتيب المخصوص أو الهيئة المرتبة عليه قال والمحال تركب الجوهر من عرض قائم به فإنه متأخر عنه فلا يكون جزءا منه دون تركبه من جوهر آخر وعرض يقوم بذلك الجوهر الآخر لأن اللازم حينئذ تأخر أحد الجزئين عن الآخر نعم يستحيل أن يكون العرض جزءا محمولا للجوهر فتأمل وأما العسكر فإنه عبارة عن مجموع الآحاد فقط وهو موجود بلا شبهة إلا أنه ماهية وحدتها اعتبارية والكلام في الماهية الحقيقية الوحدة ولا فرق بين العسكر والمركب من الإنسان والحجر في أن المركب فيهما عين الآحاد بأسرها وفي أنه يترتب على الكل فيهما ما لا يترتب على كل واحد من أجزائه وفي أنه يمكن أن يعتبر هناك هيئة اجتماعية باعتبارها تعرض للأمور المتعددة وحدة اعتبارية إلا أن تلك الهيئة إذا اعتبرت وجعلت جزءا من العسكر مثلا لم يكن العسكر أمرا موجودا في الخارج لأن ما جزؤه عدم فهو عدم قطعا وذلك مما لا يقول به عاقل ثم إنه يجب أن تكون الحاجة بين الأجزاء إما من جانب واحد أو من الجانبين بحيث لا يستلزم الدور وذلك أعني استلزامها الدور بأن يحتاج كل جزء إلى الآخر من جهة واحدة وأما احتياج كل جزء إلى الآخر من جهتين فجائز إذ لا دور فيه كما تحتاج الهيولى إلى الصورة من وجه وهو أن بقاء الهيولى بالصورة وتحتاج الصورة إلى الهيلولي من وجه آخر وهو احتياجها في تشخصها إلى الهيولى وسيأتي ذلك في موقف الجواهر
المقصد العاشر
Page 306