238

في تمييز الماهية عما عداها لكل شيء كليا كان أو جزئيا حقيقة هو بها هو وهذا تفسير لمفهوم حقيقة الشيء والحقيقة الجزئية تسمى هوية وقد تستعمل الهوية بمعنى الوجود الخارجي والحقيقة الكلية تسمى ماهية ثم الحقيقة من حيث هي إما أن تقاس إلى أمور مباينة إياها فذلك لا التباس فيه لأن الأمور المباينة لها مسلوبة عنها بمعنى أنها ليست نفس الماهية ولا داخلة فيها ولا عارضة لها وإما أن تقاس إلى أمور داخلة فيها أو خارجة عنها عارضة لها فإذا قيست إلى الأمور العارضة لها يقال هي مغايرة لما عداها من الأمور التي تعرض لها سواء كان ذلك العارض لازما لها لا ينفك عنها أصلا فأينما وجدت هي كانت معروضة له كالزوجية اللازمة لماهية الأربعة أو مفارقا عنها كالكتابة للإنسان فإن الإنسانية من حيث هي إنسانية ليست إلا الإنسانية فليست الماهية الإنسانية من حيث هي ماهية إنسانية موجودة ولا معدومة ولا واحدة ولا كثيرة ولا شيئا من المتقابلات على معنى أن شيئا منها ليس نفس تلك الماهية ولا داخلا فيها لا على معنى أنها ليست متصفة بشيء منها فإنها يستحيل خلوها عن المتقابلات إذ لا بد لها من اتصافها بواحد من المتناقضين بل هذه أمور زائدة عن الماهية الإنسانية تنضم إلى الإنسانية فتكون الإنسانية مع الوحدة واحدة ومع الكثرة كثيرة ومع الوجود موجودة ومع العدم معدومة وعلى هذا فقس وبالجملة إذا لوحظ ماهية في نفسها ولم يلاحظ معها شيء زائد عليها كان الملحوظ هناك نفس الماهية وما هو داخل فيها إما مجملا أو مفصلا ولم يكن للعقل بهذه الملاحظة أن يحكم على الماهية بشيء من عوارضها بل يحتاج في هذا الحكم إلى أن يلاحظ أمرا آخر لم يكن ملحوظا في تلك الحالة لا مفصلا ولا مجملا فيظهر أن تلك العوارض ليست للماهية في حد ذاتها فليست نفسها ولا داخلة فيها وإلا لما احتيج إلى ملاحظة أخرى وأيضا لو كان شيء منها نفسها أو داخلا فيها لما أمكن اتصافها بما يقابله ومن هذا يعلم أيضا أنها ليست مقتضية ولا مستلزمة لشيء من المتقابلات على التعيين وإذا قيست الماهية إلى الأمور الداخلة فيها صح السلب بمعنى أنها ليست نفسها لأن الداخل في الماهية ليس عينها من حيث هو داخل فيها وأما الأجزاء المحمولة فهي وإن كانت بحسب الخارج عين الماهية لكن باعتبار آخر فإذا سئلنا بطرفي النقيض وقيل الإنسانية من حيث هي إنسانية وليست كان الجواب الصحيح أنها ليست من حيث هي هي لأنها من حيث هي ليست فإن تقديم حرف السلب على الحيثية كما في العبارة الأولى معناه المتبادر أنها إذا أخذت بهذه الحيثية لا تقتضي وذلك لأن الرابطة ههنا متأخرة عن السلب فالمقصود سلب الربط وهو حق ومعنى تقديم الحيثية على حرف السلب أنها إذا أخذت بهذه الحيثية تقتضي لا وذلك لأن الرابطة في هذه العبارة متقدمة على السلب فالمتبادر منها الإيجاب العدولي وهذا باطل ولو سئلنا عن المعدولتين أراد الموجبتين المعدولة والمحصلة على سبيل التغليب فقيل أهي أو لا لم يلزمنا الجواب عن هذا السؤال لأنه غير حاصر بخلاف طرفي النقيض إذ لا مخرج عنهما وإن قلنا أي وإن أجبنا عن هذا السؤال تبرعا قلنا لا هذا ولا ذاك بالمعنى الذي عرفته إذ ليس شيء من الألف واللا ألف نفس الماهية ولا داخلا فيها فإن قيل الإنسانية التي لزيد من حيث أنها إنسانية إن كانت هي التي لعمرو كان شخص واحد في آن واحد في مكانين ومتصفا بالأوصاف المتقابلة معا وإن كانت غيرها لم تكن الإنسانية أمرا واحدا مشتركا بين أفراده قلنا معنى هذا الكلام أن الإنسانية من حيث هي إما واحدة مشتركة بين أفراده وإما متعددة متغايرة فيها وعلى كل تقدير يلزم محذور فلا يلزمنا الجواب لأنها من حيث هي ليست شيئا مما ذكر فإن الحيثية المذكورة تقتضي قطع النظر عن جميع العوارض وإن أجبنا قلنا هي من حيث هي ليست التي في زيد ولا غيرها وليست التي في عمرو ولا غيرها لأن وحدتها وتغايرها وكونها في زيد أو عمرو كلها عوارض قطع النظر عنها في هذه الحيثية ولو وقع بدل قوله في زيد قولنا في عمرو لكان أظهر بل هما أي كون الإنسانية واحدة مشتركة وكونها متعددة متغايرة قيدان خارجان عن الإنسانية يلحقانها بعد النسبة إليهما أي إلى الوحدة والتعدد

Page 289