211

قال المصنف والتحقيق أن هذه الوجوه التي استدل بها على كون الوجود زائدا على ماهية الممكن إنما تفيد تغاير المفهومين أي مفهوم الوجود ومفهوم السواد مثلا دون تغاير الذاتين أي ذات الوجود وذات السواد مثلا والنزاع إنما وقع فيه أي في تغاير الذاتين لا في تغاير المفهومين فإن عاقلا لا يقول مفهوم السواد هو بعينه مفهوم الوجود بل يقول العاقل إن ما صدق عليه السواد من الأمور الخارجية هو بعينه ما صدق عليه الوجود وليس لهما أي للوجود والسواد هويتان متمايزتان في الخارج تقوم إحداهما بالأخرى كالسواد القائم بالجسم فإن للسواد هوية ممتازة عن هوية الجسم بحسب الخارج وقد قامت الأولى بالثانية وما ذكره من أن ما صدق عليه أحدهما هو عين ما صدق عليه الآخر وأنه ليس لهما هويتان متمايزتان هو الحق المطابق للواقع وإلا لكان للماهية هوية ممتازة في الخارج مع قطع النظر عن الوجود وكان للوجود أيضا هوية أخرى حتى يمكن قيامها بهوية السواد في الخارج كما أن للجسم هوية خارجية مع قطع النظر عن السواد وللسواد هوية أخرى حتى أمكن قيام السواد بالجسم في الخارج فكان لها أي للماهية قبل انضمام الوجود إليها وجود فيلزم ما مر من المحذورات وهو معنى كلام الشيخ أبي الحسن الأشعري وفحوى دليله لأنه يدل على امتناع كون الوجود متمايز الهوية عن هويات الماهيات الموجودة وفيه بحث لأن ما ذكره يدل على أن الوجود والموجود لا يتمايزان في الخارج كتمايز السواد والأسود إلا أن هذا لا يستلزم أن تكون هوية الوجود في الخارج عين هوية الموجود كالسواد مثلا حتى يكون ما صدق عليه أحدهما هو عين ما صدق عليه الآخر لجواز أن يكون صدق عدم الامتياز بأن لا يكون للوجود هوية خارجية لكونه من المعقولات الثانية كيف ولو اتحد الوجود بالسواد ذاتا في الخارج لكان محمولا علىتلك الذات مواطأة كالسواد وأيضا لم يكن لأحد شك في أن الوجود موجود كما لا شك في أن السواد موجود وبالجملة فالهوية الثابتة في الأعيان هوية السواد والوجود عارض لها ويمتاز عنها في العقل فقط فاشتق منه الموجود المحمول على تلك الهوية بالمواطأة فهذا القدر مسلم وإما أن تكون تلك الهوية ذات الوجود وماهيته المتعينة كما هي ذات السواد وماهيته المتعينة فممنوع نعم لما أثبت الحكماء الوجود الذهني فإنهم وإن وافقوه في ذلك أي وافقوا الشيخ في أن الوجود الخارجي لا يمتاز عن الماهية في الخارج بل هما متحدان هوية قالوا بانه أي الوجود يغاير الحقيقة الخارجية ذهنا فإنه إذا تصور الماهية الموجودة في الخارج فصلها العقل إلى أمرين ماهية ووجود خارجي فيحصل هناك صورتان مطابقتان للماهية الخارجية على قياس ما قيل في الجنس والفصل ثم استشهد على أنهم وافقوا الشيخ في الاتحاد بحسب الخارج وإن خالفوه في التقارير بحسب الذهن بقوله فصرح ابن سينا في الشفاء أنه من المعقولات الثانية فليس في الأعيان عين هو وجود أو شيء إنما الموجود أو الشيء في الخارج جواد أو إنسان أو غيرهما من الحقائق فهذه الماهيات موجودات عينية متأصلة في الوجود وأما الوجود والشيئية فلا تأصل لهما في الأعيان بل هما من المعقولات الثانية التي تعرض للمعقولات الأولى من حيث أنها في الذهن ولا يحاذي بها أمر في الخارج وذلك أي الوجود في كونه من المعقولات الثانية كالحقيقة والتشخص والذاتي والعرضي فإن مفهومات هذه الألفاظ معقولات ثانية لا وجود لها في الخارج فليس في الأعيان شيء هو حقيقة مطلقة أو تشخص مطلق أو ذاتي أو عرضي كذلك بل هذه مفهومات عارضة في العقل للمعقولات الأولى ولا يذهب عليك أن هذا الكلام من ابن سينا تصريح بأن ليس للوجود هوية خارجية كما للماهيات وإلا لكان متأصلا في الوجود لا معقولا ثانيا

قال المصنف فإن النزاع في أن الوجود زائد أو ليس بزائد راجع إلى النزاع في الوجود الذهني فمن لم يثبته كالشيخ قال إن الوجود الخارجي عين الماهية مطلقا ومن أثبته قال الوجود الخارجي زائد على الماهية في الذهن فمن ادعى من المتأخرين في أن الوجود زائد مع أنه ناف للوجود الذهني لم يكن على بصيرة في دعواه هذه

البحث الثاني أن الوجود زائد على الماهية في الواجب لوجوه

الأول لو لم يكن وجود الواجب مقارنا لماهيته بل كان موجودا مجردا قائما بذاته هو عين ماهية الواجب فتجرده عن الماهية وقيامه بذاته إما لذاته فيكون كل وجود مجردا لأن مقتضى ذات الشيء لا يختلف ولا يتخلف عنه فيكون وجود الممكن أيضا مجردا عن الماهية وقد أبطلناه في البحث الأول وإما لغيره فيكون تجرد واجب الوجود لعلة منفصلة فلا يكون الواجب الذي هو ذلك الوجود المجرد واجبا لاحتياجه في تجرده وقيامه بذاته إلى غيره سواء كان ذلك لغير وجوديا أو عدميا هذا خلف

Page 252