185

الاحتمال الرابع المعدوم ثابت والحال حق أيضا وهو قول بعض المعتزلة من مثبتي الأحوال فيقول الكائن في الأعيان إما أن يكون له كون بالاستقلال وهو الموجود أو يكون له كون بالتبعية وهو الحال فيكون الحال الذي هو قسم من الكائن في الأعيان أيضا قسما من الثابت كما أن الموجود والمعدوم الممكن قسمان منه وغيره أي غير الكائن في الأعيان هو المعدوم فإن كان له تحقق وتقرر في نفسه فثابت وإلا فمنفي فالأقسام أربعة فظهر أن الثابت الذي يقابل المنفي يتناول الموجود والمعدوم والممكن فقط وعلى الثاني يتناول الموجود والحال فقط وأما المعدوم ففي المذهبين الآخرين يتناول شيئين المنفي أي الممتنع والمعدوم الممكن وفي المذهب الثاني يرادف النفي كما في المذهب الأول الذي يرادف فيه الثابت والموجود أيضا وأما الحكماء فقالوا في تقسيم المعلومات ما يمكن أن يعلم ولو باعتبار إما لا تحقق له بوجه من الوجوه وهو المعدوم وإما له تحقق ما هو الموجود ولا بد من انحيازه بحقيقة أي لا بد من أن ينفرد الموجود وينحاز ويمتاز عن غيره بحقيقة يكون بها هو هو فإن انحاز مع ذلك عن غيره بهوية شخصية يمتنع بها فرض اشتراكه بين كثيرين فهو الموجود الخارجي وإلا فهو الموجود الذهني فإن الذهن لا يدرك إلا أمرا كليا فالموجود فيه لا ينحاز عن غيره إلا بحسب الماهية الكلية بخلاف الموجود الخارجي فإنه ينحاز عن غيره بماهية كلية وتشخص ورد ذلك بأن الواجب تعالى موجود خارجي وليس له تشخص يغاير حقيقته حتى ينحاز بهما معا عن غيره وبأن الجزئيات المدركة بالحواس المرتسمة في القوى الباطنة منحازة عن غيرها بالحقيقة والهوية معا وليست موجودات خارجية بل ذهنية وقد يجاب بأن الواجب سبحانه شيء واحد في حد ذاته إلا أن ذلك الشيء يسمى حقيقة من حيث أن الواجب به هو هو ويسمى تشخصا من حيث أنه المميز له على وجه لا يمكن فرض الشركة معه فقد انحاز الواجب بحقيقة وهوية شخصية متغايرتين اعتبارا وذلك كاف لنا فيما نحن بصدده وبأن المدرك بالحواس لا ينحاز في تحققه الذهني بماهية وهوية تنضم إليها في هذا التحقق بل المنحاز في الخارج بماهية وهويةج شخصية انحاز في الذهن لا على وجه ينضم فيه تشخص إلى ماهيته والفرق ظاهر بالتأمل الصادق فيصدق عليه أنه منحاز عن غيره بحقيقته فإن الحقيقة تطلق على ما يتناول الجزئيات أيضا وكل ذلك تعسف والأظهر أن يقال الموجود إما أن يكون وجوده أصلا يترتب عليه آثاره ويظهر منه فهو الموجود الخارجي والعيني أو لا وهو الموجود الذهني والظلي والموجود في الخارج إما أن لا يقبل العدم لذاته وهو الواجب لذاته أو يقبله وهو الممكن لذاته فتقييد الواجب بقوله لذاته احتراز عن الواجب بغيره وتقييد الممكن بذلك ليس احترازا عن شيء إذ لا ممكن بالغير بل هو رعاية للموافقة وإظهار لكون الإمكان مقتضى الذات كالوجوب وهو أي الممكن لذاته إما أن يوجد في موضوع أي في محل يقوم ذلك المحل ما حل فيه وهو العرض أو لا يوجد في موضوع وهو الجوهر سواء لم يوجد في محل أو وجد في محل لا يكون موضوعا فقولنا يقوم ما حل فيه احتراز عن الصورة لوجودها في محل وهو المادة لكنه أي ذلك المحل الذي هو المادة غير مقوم لما حل فيه وهو الصورة فإن المادة هي المتقومة بالصورة عندهم كما ستعرفه فالصورة جوهر مع كونها حالة في محل فالمحل أعم من المادة لصدق المحل على الموضوع أيضا والحال أعم من الصورة لصدق الحال على العرض أيضا والموضوع والمادة متباينان مندرجان تحت المحل اندارج الأخص تحت الأعم وكذا العرض والصورة متباينان مندرجان تحت الحال كذلك

وقال المتكلمون الموجود أي في الخارج إذ لا يثبتون الموجود الذهني إما أن لا يكون له أول أي لا يقف وجوده عند حد يكون قبله أي قبل ذلك الحد العدم وهو القديم أو يكون له أول أي يقف وجوده عند حد يكون قبله العدم وهو الحادث والحادث إما متحيز بالذات أو حال في المتحيز بالذات أو لا متحيز ولا حال فيه فالمتحيز بالذات هو الجوهر ونعني به أي المتحيز بالذات المشار إليه أي الذي يشار إليه بالذات إشارة حسية بأنه هنا أو هناك اعتبر قيد بالذات احترازا عن العرض فإنه قابل للإشارة على سبيل التبعية وقيد الإشارة بكونها حسية لأن المجردات على تقدير وجودها قابلة للإشارة العقلية والحال في المتحيز هو العرض ونعني بالحلول فيه أي في المتحيز أن يختص به بحيث تكون الإشارة الحسية إليهما واحدة كاللون مع المتلون فإن الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر دون الماء مع الكوز فإن الإشارة إليهما ليست واحدة فإن الماء ليس حالا في الكوز اصطلاحا وإن كان حالا فيه لغة وما ذكره تفسيرا للحلول في المتحيز كما صرح به فلا يتجه عليه أنه لا يتناول حلول صفات الواجب تعالى في ذاته فالأولى أن يفسر بالاختصاص الناعت وما ليس متحيزا ولا حالا فيه أعني الذي جعلناه قسما ثالثا من أقسام الممكن الحادث وهو المسمى بالمجرد لم يثبت وجوده عندنا إذ لم نجد عليه دليلا فجاز أن يكون موجودا وأن لا يكون موجودا سواء كان ممكنا أو ممتنعا فمنهم من قنع بهذا القدر وهو أنه لم يثبت وجوده ومنهم من جزم بامتناعه لوجهين

Page 218