169

الثالثة المشاهدات وهي ما يحكم به العقل بمجرد الحس الظاهر مثل حكمنا بوجود الشمس وكونها مضيئة وكون النار حارة وتسمى هذه محسوسات أو الحس الباطن كالحكم بأن لنا فكرة وأن لنا خوفا وغضبا وتسمى هذه وجدانية وقضايا اعتقادية ويعد منها ما نجده بنفوسنا لا بآلاتها كشعورنا بذواتنا وبأفعال ذواتنا واعلم أن الحس لا يفيد إلا حكما جزئيا كما في قولك هذه النار حارة وأما الحكم بأن كل نار حارة فمستفاد من الإحساس بجزئيات كثيرة مع الوقوف على العلة فلعل الإحساسات الجزئية تعد النفس لقبول العقد الكلي من المبدأ الفياض ولا شك أن تلك الإحساسات إنما تؤدي إلى اليقين إذا كانت صائبة فلولا أن العقل يميز بين الحق والباطل من الإحساسات لم يتميز الصواب عن الخطأ الرابعة المجربات وهي ما يحكم بها العقل بواسطة الحس مع التكرار ولا بد مع ذلك من قياس خفي هو أن الوقوع المتكرر على نهج واحد دائما أو أكثريا لم يكن اتفاقيا بل لا بد أن يكون هناك سبب وإن لم يعرف ماهية ذلك السبب وإذا علم حصول ذلك السبب حكم بوجود المسبب قطعا وذلك مثل حكمنا بأن الضرب بالخشب مؤلم وبأن شرب السقمونيا مسهل

الخامسة الحدسيات وهي قضايا مبدأ الحكم بها حدس قوي يزول معه الشك كعلم الصانع باتقان فعله فإنا لما شاهدنا أن أفعاله تعالى محكمة متقنة حكمنا بأنه عالم حكما حدسيا وكذا لما شاهدنا اختلاف حال القمر في تشكلاته النورية بحسب اختلاف أوضاعه من الشمس حدسنا منه أن نوره مستفاد من نورها ولا بد في الحدسيات من تكرار المشاهدة ومقارنة القياس الخفي كما في المجريات والفرق بينهما أن السبب في المجريات معلوم السببية مجهول الماهية فلذلك كان القياس المقارن لها قياسا واحدا وهو أنه لو لم يكن لعلة لم يكن دائما ولا أكثريا وأن السبب في الحدسيات معلوم السببية والماهية معا فلذلك كان المقارن لها أقيسة مختلفة بحسب اختلاف العلل في ماهياتها

Page 197