Al-Mawāqif fī ʿilm al-kalām
المواقف في علم الكلام
ثم لنا في أنه يعني النظر أو العرفان لا يجب عقلا بل في أنه لا يجب شيء عقلا بل سمعا قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا نفى الله سبحانه وتعالى التعذيب مطلقا دنيويا كان أو أخرويا قبل البعثة وهو من لوازم الوجوب بشرط ترك الواجب عندهم إذ لا يجوزون العفو فينتفي الوجوب قبل البعثة لانتفاء لازمه وهو ينفي كونه بالعقل إذ لو كان الوجوب بالعقل لكان ثابتا معه قبل بعثة الرسل ومحصوله أنه لو كان وجوب عقلي لثبت قبل البعثة ولا شبهة في أن العقلاء كانوا يتركون الواجبات حينئذ فيلزم أن يكونوا معذبين قبلها وهو باطل بالآية لا يقال المراد بالرسول في الآية الكريمة هو العقل لاشتراكهما في الهداية أو المراد من الآية ما كنا معذبين بترك الواجبات الشرعية وليس يلزم من ذلك نفي التعذيب بترك الواجبات العقلية لأنا نقول كل واحد من حمل الرسول على العقل وتقييد التعذيب بترك الواجب الشرعي خلاف الوضع والأصل وحينئذ لا يجوز صرف الكلام إليه إلا لدليل ولا دليل ههنا فلا يجوز أن يرتكب شيء منهما احتج المعتزلة بأنه لو لم يجب النظر إلا بالشرع لزم إفحام الأنبياء وعجزهم عن إثبات نبوتهم في مقام المناظرة إذ يقول المكلف حين يأمره النبي بالنظر في معجزته وفي جميع ما تتوقف عليه نبوته من ثبوت الصانع وصفاته ليظهر له صدق دعواه لا أنظر ما لم يجب النظر علي فإن ما ليس بواجب علي لا أقدم عليه ولا يجب النظر علي ما لم يثبت الشرع عندي إذ المفروض أن لا وجوب إلا به ولا يثبت الشرع عندي ما لم أنظر لأن ثبوته نظري فيتوقف كل واحد من وجوب النظر وثبوت الشرع على الآخر وهو محال ويكون هذا كلاما حقا لا قدرة للنبي على دفعه وهو معنى إفحامه
وأجيب عنه بوجهين
الأول النقض وهو أنه أي ما ذكرتم من لزوم إفحام الأنبياء مشترك بين الوجوب الشرعي الذي هو مذهبنا والوجوب العقلي الذي هو مذهبكم فما هو جوابكم فهو جوابنا وإنما كان مشتركا إذ لو وجب النظر بالعقل فبالنظر اتفاقا لأن وجوبه ليس معلوما بالضرورة بل بالنظر فيه والاستدلال عليه بمقدمات مفتقرة إلى أنظار دقيقة من أن المعرفة واجبة وأنها لا تتم إلا بالنظر وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيقول المكلف حينئذ لا أنظر أصلا ما لم يجب ولا يجب ما لم أنظر فيتوقف كل واحد من وجود النظر مطلقا ووجوبه على الآخر
Page 164