Al-Mawāqif fī ʿilm al-kalām
المواقف في علم الكلام
قلنا إن صح الحديث أي لا نسلم صحته إذ لم يوجد في الكتب الصحاح بل قيل إنه من كلام سفيان الثوري فإنه روى أن عمرو بن عبيد من رؤساء المعتزلة قال إن بين الكفر والإيمان منزلة بين المنزلتين فقالت عجوز قال الله تعالى هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن فلم يجعل الله من عباده إلا الكافر والمؤمن فبطل قولك فسمع سفيان كلامها فقال عليكم بدين العجائز وإن سلمنا صحته فالمراد به التفويض إلى الله سبحانه فيما قضاه وأمضاه والانقياد له فيما أمر به ونهى عنه لا الكف عن النظر والاقتصار على مجرد التقليد ثم إنه خبر آحاد لا يعارض القواطع وما استدللنا به على وجوب النظر من قبيل القواطع وأما المعتزلة فهذه الطريقة التي هي معتمد الأصحاب في إثبات وجوب النظر وهي الاستدلال بوجوب المعرفة على وجوبه طريقتهم أيضا في إثباته إلا أنهم يقولون المعرفة واجبة عقلا أي يتمسكون في إثبات وجوبها بالعقل لا بالإجماع والآيات لأنها دافعة للخوف الحاصل من الاختلاف أي من اختلاف الناس في إثبات الصانع وصفاته وإيجابه علينا معرفته فإن العاقل إذا اطلع على هذا الاختلاف الواقع بين الناس جوز أن يكون له صانع قد أوجب عليه معرفته فإن لم يعرفه ذمه وعاقبه فيحصل له خوف وغيره أي الخوف الحاصل من غير الاختلاف كالنعم الظاهرة والباطنة فإن العاقل إذا شاهدها جوز أن يكون المنعم بها قد طلب الشكر عليها فإن لم يعرفه ولم يشكره عليها سلبها عنه وعاقبه فيحصل له من ذلك أيضا خوف وهو أي الخوف ضرر للعاقل ودفع الضرر عن النفس مع القدرة عليه واجب عقلا فإن العاقل إذا لم يدفع ضرره مع قدرته عليه ذمه العقلاء بأسرهم ونسبوه إلى ما يكرهه وهذا معنى الوجوب العقلي ولما كانت المعرفة واجبة عقلا وكانت لا تتم إلا بالنظر كان النظر أيضا واجبا عقلا لما عرفت هكذا تمسكوا بهذه الطريقة ونحن نقول بعد تسليم حكم العقل بالحسن والقبح في الأفعال وما يتفرع عليهما من الوجوب والحرمة وغيرهما تمنع حصول الخوف المذكور لعدم الشعور بما جعلوا الشعور به سببا له من الاختلاف وغيره ودعوى ضرورة الشعور من العاقل ممنوعة لعدم الخطور في الأكثر فإن أكثر الناس لا يخطر ببالهم أن هناك اختلافا بين الناس فيما ذكر وأن لهذه النعم منعما قد طلب منهم الشكر عليها بل هم ذاهلون عن ذلك فلا يحصل لهم خوف أصلا وإن سلم حصول الخوف فلا نسلم أنه أي العرفان الحاصل بالنظر يدفعه أي الخوف إذ قد يخطىء فلا يقع العرفان على وجه الصواب لفساد النظر فيكون الخوف حينئذ أكثر لا يقال الناظر فيه أي في عرفانه تعالى أحسن حالا قطعا من المعرض عنه بالكلية لأنا نقول ذلك ممنوع لأن النظر قد يؤدي إلى الجهل المركب الذي هو أشد خطرا من الجهل البسيط والبلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام أكثر أهل الجنة البله
Page 163