Al-Manṣūrī fī al-ṭibb
المنصوري في الطب
متى ما بقيت الحمى ثلاثة أيام فصاعدا ولم تنقلع، وهي مع ذلك| ليست قوية الحرارة واللهيب وليس معها الأعراض التي تكون في الحميات الحادة كعظم التنفس وشدة القلق والكرب ويبس اللسان وسواده ولكن دامت بحالة واحدة لا يستبين بها فترة ولا نوبة، وهي مع ذلك فاترة ساكنة فإنها دق. واستبين أمرها أيضا بأن يطعم العليل في أوقات مختلفة. فإن وجدته يحم بعقب الطعام دائما فالحمى دق لا محالة. وإن وجدت مع ذلك وجه العليل قد ضمر وعينه قد غارت ولحمه قد نقص وجلده قد قشف فإن الدق حينئذ ليس أنها ابتدأت به فقط بل عملت فيه وبلغت إليه. وهذه الحمى يبرأ منها في ابتدائها. وما دامت لم تضر به إلى حد الذبول. ومن أجل ذلك ينبغي أن يعلم علامات الذبول لئلا يشتغل في علاجه للطمع في برئه فنقول: إن من تأدى من الدق إلى الذبول يلطو أصداغه لطا شديدا وتغور عينه ويدق أنفه وينخرط وجهه وتصغر أذنه ويرق جرمه ويكون جلد جبهته متمددا كأنها جلدة قد جفت على عظم. والوجه والبدن كله بتلك الحالة عار من اللحم. وتدق رقبته وتنتؤ حنجرته. وإذا أنت تفقدت عظام الصدر منه بالجس أو بالنظر أدركتها كلها بحدودها وبالجملة، فليس بدنه إلا جلد وعظم، ويكون الصوت منه دقيقا ضعيفا، والقوة ساقطة البتة والنبض دقيقا ضعيفا غير أنه مع ذلك صلب واوتاره ظاهرة لاضمحلال اللحم وفنائه. وعروقه كذلك، وهي مع ذلك خاوية فارغة من الدم لاطية مطبقة لا يحتوي تجويفها على كثير شيء. وقد ذهبت النظارة والرونق عن اجسادهم البتة وقحل منهم الجلد، وصار بمنزلة جلود المشايخ، وتضمر بطونهم وتلطي حتى كأنها ليس فيها شيء. ويرق المراق منهم جدا كأنه جلد فقط ويتشنج مع ذلك ويقشف وربما ظهر عظام الرسغ والمشط والكوع منهم. وإذا بلغ البدن من النحول والنهوك إلى هذا الحد فليس إلى استصلاحه ورده سبيل. فأما ما دامت فيه بقية من اللحم والدم والماء والرونق والقوة، ولم يكن ما ظهر من هذه العلامات به قوية مستحكمة، فإنه يصلح ويرجع إلى حالته إن دبر على ما ينبغي. وأما من لم يكن به كثير نهوك ولا نحول ولا طالت به الأيام، وإنما فيه من علامات الدق أن تكون حماه لينة قد لزمته منذ أيام، وقد بدا به معها بعض النحول والقشف، فإن برؤه يسهل ويسرع بإذن الله. فالزم هؤلاء ماء الشعير واغذهم بعد انحداره عن المعدة بالسمك الهازبي كبابا أو مشويا، وبالبقول الباردة الرطبة كالبقلة الحمقاء والملوكية والخس والقرع والقثاء والخيار، وادخلهم الحمام قبل أن يغتذوا كل يوم وليكونوا منه في مكان لا يتأذون بحره البتة وأجلسهم في الماء الفاتر هنيهة ثم امرخهم بدهن البنفسج والزمهم أماكن باردة رطبة طيبة الهواء مفروشة بصنوف الخضر العطرة وأنواع الفرش الطرية والحشا الوبرة الوطية، وضع على صدورهم خرقا مبلولة مصبوغة في صندل وكافور قد فتقا في ماء الورد المبرد على الثلج بعد جفوف المعدة ونزول الطعام عنها، وقبل أن يغتذوا أيضا. وابدلها متى فترت حتى يحس العليل ببردها قد وصل إلى غور بعيد من بدنه، وإن كان يقشعر منها أو يعتريه بعد ذلك حرارة فليفتر قليلا ثم يوضع. ولتبدل حينئذ متى خفت فقط وأن حميت حماه شديدا فليسقوا دهن البنفسج ودهن القرع، ويزاد في وطائهم ويطلبوا النوم جهدهم، ويحذروا السهر والفكر والحركة والباه والكون في المواضع الحارة واليابسة الجو. وإن كان للحمى أدنى حدة وحرارة فاسقهم من أقراص الكافور سحر كل يوم ثم اسقهم ماء الشعير مع طلوع الشمس واسقهم الجلاب في شرابهم، ومع ذلك يعطى أيضا لعاب البزرقطونا عند المبيت، وألح وأكب على صدورهم التبريد بتضميدك وطليك إياها بالطيوب والبقول الباردة. وفرق عليهم الغذاء في كل يوم مرات كثيرة لا سيما إن كان الزمان صيفا وليزيدوا منه دفعة كل يوم مرة دون الاستيفاء منه دفعة واحدة. وليسقوا الماء البارد قليلا قليلا. ولا يصابروا جوعا ولا عطشا البتة، ويجتنبون جميع ما يسخن ويجفف. وأما من توسط الدق وبان به القحل والنقصان إلا أنه لم ينته بعد الحد الذي ذكرنا أنه لا يبرأ، فإنهم يحتاجون إلى مثل هذا التدبير بعينه إلا أنه ينبغي أن يلح ويثابر عليه ويستقصي ويؤكد ويبالغ فيه. ويدخلون الحمام والابزن في اليوم مرتين أو ثلاث. وينبغي أن يكونوا في موضع لا تؤذيهم حرارته البتة ولا يكربهم ولا ترشح أبدانهم ولا يكونوا في موضع منه يقشعرون فيه. وإنما يراد من إدخالهم الحمام أن يمكن استعمال الأبزن وصب الماء من غير قشعريرة تعرض لهم. وأما التعرق وتنشق الهواء الحار فهي أضر الأشياء لهم. فليدخل هؤلاء الحمام والأبزن بعد سقي ماء الشعير بقدر ساعتين ويمرخوا بالدهن. ومتى خرجوا من الأبزن، فإذا خفت البطن من ماء الشعير ولم يبق في الحشا له طعم فليمضي بهم إلى الحمام من غير أن يتعبوا، وليستعملوا الأبزن وصب الماء الفاتر عليهم بقدر ما تربوا أجسامهم قليلا وتحمر أدنى حمرة ثم لينغمسوا في ماء بارد غير مؤذ غمسة واحدة. وتمرخ أجسادهم بدهن البنفسج ونحوه من الأدهان. ويتدثروا في الحمام ثم يخرجون منه ثم يطعمون مما ذكرنا وبالقدر الذي حددناه، وينامون في بيوت مريحة طيبة قليلة الضوء فيها خيوش وأجاجين ماء وحياض وبرك. وقد فرشت بورق الكرم والخلاف والورد والشاهسفرم والبنفسج ونحوها مما حضر. وإن كان الزمان شتاء فينبغي أن لا يكون في مساكنهم نار ولا دخان، وأن تنشق الهواء البارد من أعظم أدويتهم، ويستغنون به عن تبريد القلب بالأدوية والأضمدة التي ذكرنا، وليتدثروا بدثار حار خفيف الحمل وبخاصة رؤوسهم لئلا يحدث عليهم زكام ونزل. ولتغمز أطرافهم غمزا رقيقا وينشقون دهن القرع المربى باللينوفر. ويطيلون النوم. وإن كان النهار طويلا فليدخلوا في الأبزن مرة ثالثة قبل وقت العشاء. فإن انتفعوا بذلك وإلا فليغمسوا من غير استحمام تقدم قبله ويطيلوا النوم . وإن كان القشف واليبس والقحل قد بلغ إليهم فليحلب على أبدانهم لبن الماعز ويمرخوا به ويصب منه في الأبزن مع الماء. ويمرخوا إذا خرجوا منه بدهن البنفسج أو القرع أو اللينوفر وإن لم تكن الحرارة والحدة قوية جدا، فليكن شرابهم من شراب أبيض رقيق قد مزج بالماء البارد بقدر ما يخفي طعم الشراب. وإن كانت الحرارة بينة فليسقوا الجلاب السكري مع الماء البارد، واحذر على هؤلاء أن تطلق بطونهم. وإن بدت تلين فبادر بإمساكها. وقد ينتفع هؤلاء إذا كانت الحرارة التي فيهم لها فضل قوة، بالمخيض المتخذ من لبن بقرة فتية إذا استقصى نزع الزبد والرغوة منه وكانت فيه حموضة، ويسقونه مكان ماء الشعير ويتأدمون به أيضا. وإن كانت الطبيعة منطلقة أخذوه مع الكعك. ويحتاج إلى هذا أو إلى تبريد وتطفئة كثيرة، من كان بوله دهنيا أو عليه صفائح دهن أو قطع لحم شبيهة بالخيوط وأشياء شبيهة بالنخالة. فإنه ينبغي أن يكب على هؤلاء بالتبريد الذي في الغاية. وأما من كان قشفه ونحوله شديدا وليست به حرارة قوية فإنه ينتفع باللبن الحليب إذا شربه وتأدم به. وأوفق الألبان ثم لبن النساء ثم لبن الأتن ثم لبن المعز. وينبغي أن يحذر من اللبن الحليب خصلتان هما التجبن والاستحالة. ولا تتجبن هذه الألبان التي ذكرناها في المعدة إلا في الندرة. فإن خلط بها شيء يسير من سكر لم تتجبن. وأما الاستحالة فينبغي أن تتفقد حال الحرارة كل يوم بلمس العليل وبتنفسه ونبضه وبوله ومقدار عطشه. فإن وجدتها قد ازدادت على ما كانت عليه قبل سقي اللبن زيادة كثيرة، أمسك عنه وسقي المخيض الحامض وماء الشعير وأقراص الطباشير ونحوها. ويسهل بماء الإجاص والترنجبين إن يبست طبيعته حتى تزول تلك الأعراض. ثم يعاود اللبن فهذه جملة علاج أصحاب الدق. وأما من بلغ من هؤلاء إلى أن يتبين منه عظام الرسغ والمشط والقص والقدم، وسقط منه النبض ولصق مراق بطنه منه بالظهر، وكانت عظامه كأنها قد دقت فلا ينبغي أن يشتغل بعلاجه على أنه يبرأ . وقد يعلل هؤلاء أيضا بالأغذية السريعة النفوذ وبالطيب. وليؤخذ لهؤلاء ماء اللحم من فراريج تقطع قطعا صغارا، ويستخرج ماؤها بقليل ملح كما يستخرج ماء اللحم، أو من لحم أحمر من عنق جدي أو بشتمازك وليصب في ماء اللحم شيء من ماء التفاح المز أو ماء السفرجل المز وشيء من شراب. وليلقى فيه كعك قد أجيد سحقه، ويحسونه أو يلعقونه. ويلبسون أقمصة مصندلة أو ممسكه إن لم يهيج بهم منها صداع. ويبخر بين أيديهم بالعود وبالند ويوضع حواليهم الرياحين واللخالخ ويرش عليهم الماء ورد ويشمون الأطعمة التي لها ريح شهي كالنقانق والكردناك وتشوى الفراريج ثم تمزق في وجوههم، وليمضغوا من صدورها ويمصوا ماءها فقط ويرمون بالثفل إن كانوا قد ضعفوا غاية الضعف. ومن كان من هؤلاء أقوى قليلا فلتطبخ لهم الفراريج بماء الملح ثم تدق صدورها بالمدق وتعصر حتى تخرج عصارتها كلها. ثم تطيب تلك العصارة بالكزبرة وبشيء يسير من الدارصيني ويجعل فيها شراب وكعك ويحتسونه. وقد أخبرني رجل من مشايخ الأطباء أنه رأى رجلا واحدا وأعدادا من الصبيان ممن صاروا من الدق إلى مثل هذه الحالة فبرؤوا. أما أنا فما رأيت ذلك وما أظن أنه مما يمكن أن يكون وخاصة فيمن جاوزوا سن الصبية. نسخة أقراص الكافور:* وهي مبردة للقلب والكبد. وجيدة من حميات الدق المحرقة: يؤخذ ورد أحمر مطحون عشرة دراهم، وطباشير أبيض جلاء خمسة دراهم، وبزر الخس تسعة دراهم، وبزر البقلة الحمقاء ستة دراهم، وبزر الهندبا درهمان، وبزر القثاء خمسة دراهم، وبزر قرع حلو أربعة دراهم، وعصارة السوس ثلاثة دراهم، وترنجبين عشرة دراهم، وكافور نصف مثقال. وتعجن بلعاب البزرقطونا وتتخد أقراص من درهمين. نسخة سفوف يعطى لأصحاب الدق إذا لانت طبائعهم: يؤخذ ورد أحمر مطحون خمسة دراهم وطباشير خمسة دراهم. وطين أرمني درهمان وصمغ عربي درهمان، وعصارة السماق وعصارة الأمبرباريس وبزر الحماض مقشر من كل واحد ثلاثة دراهم، وجلنار درهم ونصف، ومقل مكي درهم ونصف، وكزبرة منقعة بخل ومقلوة بعد ذلك درهمان، يعطون منه غدوة وعشية مثله. أيضا رب السفرجل وماء الرمان أو ماء الريباس الساذج.
في الحمى التي تنوب يوما ويوما لا. ويسميها الأطباء حمى الغب:
Page 473