218

Al-Manār fī ʿulūm al-Qurʾān maʿa madkhal fī uṣūl al-tafsīr wa-maṣādirih

المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره

Publisher

موسسة الرسالة

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م

Publisher Location

بيروت

عن طريق الرسول ﷺ، فلا يمكن للغة ولا لعقل أن يأتي بشيء فضلا عن أن يستقل به، ومن ثم كان لا بد من الرجوع إلى البيان منه إلى الرسول ﷺ كما رجع إليه الصحابة- رضوان الله عليهم- لذا فإنا نؤيد العلماء (١)، فيما نقدوا لابن خلدون قوله:
(إن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه) (٢).
وأقرب دليل على خطأ ابن خلدون ما نشاهده اليوم من الكتب المؤلفة على اختلاف لغاتها، وعجز كثير من أبناء هذه اللغات عن فهم كثير مما جاء فيها بلغتهم، إذ الفهم لا يتوقف على معرفة اللغة وحدها، بل لا بد لمن يفتش عن المعاني ويبحث عنها من أن تكون له موهبة عقلية خاصّة، تتناسب مع درجة الكتاب وقوة تأليفه (٣).
يقول الدكتور سيد أحمد خليل (٤): إن هذا التعميم من ابن خلدون في مقدمته، فيه شيء من المجازفة التي لا يقرها تاريخ التفسير نفسه، لذا استدرك ابن خلدون بعد هذه العبارة قائلا: إن في القرآن نواحي في حاجة إلى البيان، فقد كان النبي ﷺ يبين المجمل، والناسخ والمنسوخ يعرفه أصحابه فعرفوه، وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منقولا عنه.
فهذا إقرار من ابن خلدون بأن فهم اللغة غير كاف لمعرفة تفسير القرآن الكريم، بل لا بد من الرجوع إلى النبي ﷺ لفهم المعاني الأخرى التي يتعذر معرفتها بدونه ﷺ، ثم إن ابن خلدون نفسه قد ساق قصة وردت في صحيح الإمام البخاري أن عديّ ابن حاتم لم يفهم قوله تعالى: .. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ .. [البقرة: ١٨٧] (٥). وساق قصته المعروفة.

(١) من هؤلاء العلماء محمد حسين الذهبي ﵀، والزميل الأستاذ إبراهيم خليفة، ود. سيد أحمد خليل، أما الأستاذ الدكتور محيي الدين خليل رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الرياض، فقد ذهب إلى رأي صاحب المقدمة ثم رجع عن قوله.
(٢) مقدمة ابن خلدون ص ٣٦٦ الأميرية.
(٣) دراسات في مناهج المفسرين ص ٢٤٩.
(٤) انظر: كتابه نشأة التفسير في الكتب المقدسة ص ٣٢، والكتاب طبع بالإسكندرية سنة ١٩٥٤ م.
(٥) وانظر صحيح البخاري (١٩١٦).

1 / 233