وإنما أخبرنا منها بما له في الدنيا ما يشبهه من بعض الوجوه، ثم قيل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ/ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].
[٨٣أ]
وقال النبي ﷺ: (يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)(١).
ولهذا أخبر الله بوجود هذا النعيم واللذات في الجنة مع نفيه لما يقترن به في الدنيا من سبب وغاية، كما نفى عن الأشربة واللباس وغير ذلك آفاته، إذ هي دار نعيم لا آفة فيها بحال، فالتحاب بين الزوجين ونحوهما في الدنيا - وإن أعقب لذةً مطلوبةً لنفسها - فليس أحدهما محب للآخر لذاته، بل لقضاء الوطر منه، كما تقدم، وهو نوع من المعاوضة كالتعاوض بالأموال، ولهذا كان عقد النكاح يوجب المعاوضة من الطرفين، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فإن قيل: فالعشق الموجود، وهو محبة المعشوق لنفسه، وكما قد يتحاب الشخصان لذواتهما لا لأجل نكاح وتناسل، فيحب كل منهما الآخر لنفسه؟
قيل: هذا قصد فاسد، وحب فاسد، وإرادة فاسدة، فإن كل من أحب مخلوقاً لنفسه لا لأمر آخر وراء ذلك، فحبه فاسد، وقصده فاسد، ونحن إنما ذكرنا امتناع الدور الغائي لبيان
= في الزهد (٨٣)، وابن جرير في تفسيره - تحقيق أحمد شاكر - (٥٣٤، ٥٣٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢٦٠).
(١) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب (٨) ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، برقم (٣٢٤٤)، وأطرافه (٤٧٧٩، ٤٧٨٠، ٧٤٩٨)، ومسلم (٢٢٣٦/٤)، برقم (٢٩١٥).