الفصل الثالث حجة النبي ﷺ -
روى مسلم (^١) بسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم حتى انتهى إليَّ، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زِرِّي الأعلى، ثم نزع زِرِّي الأسفل، ثم وضع كفه بين ثدييي، وأنا يومئذٍ غلام شاب، فقال: مرحبًا بك يا بْن أخي، سل عما شئت، فسألته، وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة، فقام في نساجةٍ ملتحفًا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه على المشجب، فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ فقال بيده فَعَقَدَ تسعًا، فقال:
"إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذَّنَ في الناس في العاشرة، أن رسول الله ﷺ حاج، فقَدِم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد ابن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: "اغْتَسِلي واستثْفِري (^٢) بثوب وأَحْرمي" فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرتُ إلى مد بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلّ بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، وأهلَّ الناس بهذا الذي يهلّون به، فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئًا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته.
قال جابر ﷺ: لسنا ننوي إلَّا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرملَ ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ:
(^١) في "صحيحه" رقم (١٤٧/ ١٢١٨).
(^٢) الاستثفار: هو أن تشد في وسطها شيئًا، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم، وتشد طرفها من قدامها ومن ورائها، في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بثفر الدابة، بفتح الفاء.