فكانَ فِي بيانِ قربهِ ﷾ مِنَ المحسنينَ مِنَ التَّحريضِ عَلَى الإحسانِ واستدعائهِ مِنَ النُّفوسِ وترغيبها فيه، غايةُ حظٍّ لها، وأشرفهُ، وأجلُّهُ عَلَى الإطلاقِ. وهو أفضلُ إعطاءٍ أعطيهُ العبدُ، وهو قربهُ ﵎ منْ عبدهِ. الّذي هو غايةُ الأماني، ونهايةُ الآمالِ، وقرَّةُ العيونِ، وحياةُ القلوبِ وسعادةُ العبدِ كلُّها.
فكانَ فِي العدولِ عنْ قريبةٍ إِلَى قريبٍ من استدعاءِ الإحسانِ وترغيبِ النُّفوسِ فيهِ، مَا لا يتخلَّفُ بعدَهُ إلَّا منْ غلبتْ عَلَيهِ شقاوتهُ. وَلاَ قوَّةَ إلَّا بالله.
فتبيَّنَ منْ هَذَا: أنَّ اللهَ ﷾ قريبٌ مِنَ المحسنينَ بذاتهِ ورحمتهِ قربًا لَيْسَ لهُ نظيرٌ وهوَ مَعَ ذَلِكَ فوقَ سماواتهِ عَلَى عرشهِ كَمَا أنَّهُ سُبْحَانهُ يقربُ منْ عبادهِ فِي آخرِ الليلِ وهوَ فوقَ عرشهِ ويدنو منْ أهلِ عرفةَ عشيّةَ عرفةَ وهوَ عَلَى عرشهِ؛ فإنَّ علوَّهُ سُبْحَانهُ عَلَى سماواتِهِ مِنْ لوازمِ ذاتهِ فلا يكونُ قطُّ إلَّا عاليًا، وَلاَ يكونُ فوقهُ شيءٌ البتّةَ كَمَا قَالَ أعلمُ الخلقِ: «وأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» (١).
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ
قال عبدُ القاهر البغداديُّ: قال عليٌّ: كانَ اللهُ ولا مكانَ، وهوَ الآنَ على ما عليهِ كانَ (٢).
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٩٣)، وبدائع الفوائد (٣/ ١٧ - ٣٢)، ومختصر الصواعق (٢/ ٢٦٨ - ٢٧١). والجملة المذكورة قطعة من حديث: رواه مسلم (٢٧١٣).
(٢) الفرق بين الفرق (ص٣٢١) [طبعة دار الآفاق الجديدة - بيروت، الطبعة الثانية].