الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ
يستدلُّ المشتغلونَ بعلمِ الكلامِ بقولِ النَّبيِّ ﷺ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكمْ إِلَى الصَّلاَةِ، فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلاَ يَبْصُق قِبَلَ وَجْهِهِ» (١)، على نفي العلوِّ.
قَالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀ تعليقًا عَلَى هذا الحديث: وقد نزعَ بهذا الحديثِ بعضُ مَنْ ذهبَ مذهبَ المعتزلةِ فِي أنَّ الله ﷿ فِي كلِّ مكانٍ، وليس عَلَى العرشِ، وهذا جدلٌ منْ قائلهِ (٢).
وقالَ شيخُ الاسلامِ ﵀: الحديثُ حقٌّ على ظاهرهِ، وهوَ سبحانهُ فَوْقَ العَرْشِ وهوَ قِبَلَ وجهِ المصلِّي، بل هذا الوصفُ يثبتُ للمخلوقاتِ.
فإنَّ الإنسانَ لو أنَّهُ يناجي السَّماءَ أو يناجي الشَّمسَ والقمرَ لكانت السَّماءُ والشمسُ والقمرُ فوقهُ، وكانتْ أيضًا قبلَ وجههِ؛ مَعَ أنَّ الشمسَ قدْ تشرقُ وقدْ تغربُ، فتنحرفُ عنْ سمتِ الرأسِ، فكيفَ بمنْ هوَ فوق كلِّ شيءٍ دائمًا لا يأفلُ ولا يغيبُ ﷾!!
وقد ضربَ النبيُّ ﷺ المثلَ بذلكَ - ولله المثلُ الأعلى - ولكن المقصودَ بالتمثيلِ بيانُ جوازِ هذا وإمكانهُ، لا تشبيهَ الخالقِ بالمخلوقِ - فقالَ النبيُّ ﷺ: «ما مِنْكُم من أحدٍ إلا سيرى رَبَّهُ مَخْلِيًّا به» فقال له أبو رزين العقيلي: كيفَ يا رسول الله وهو واحدٌ ونحنُ جميع؟ فقال النبي ﷺ: «سأنبِّئُكَ بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمرُ كُلُّكُم يراه مَخْلِيًّا به، وهو آيةٌ من آياتِ الله، فاللهُ أكبرُ» (٣). وقال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» (٤).
(١) رواه البخاري (٤٠٦ و٧٥٣ و١٢١٣ و٦١١١)، ومسلم (٥٤٧).
(٢) التمهيد (١٤/ ١٥٧).
(٣) رواه ابن ماجه (١٨٠)، وحسَّنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٠).
(٤) رواه البخاري (٥٥٤ و٥٧٣ و٤٨٥١ و٧٤٣٤ و٧٤٣٥ و٧٤٣٦)، ومسلم (٦٣٣).