وليس المرادُ مِنْ إحاطتهِ بخلقهِ أنَّ المخلوقاتِ داخلَ ذاتهِ المقدَّسةِ، تعالى اللهُ عنْ ذلكَ علوًّا كبيرًا؛ فإنَّه العظيمُ الذي لا أعظمَ منهُ. ألا ترى أنَّ السماءَ لمَّا كانتْ «محيطةً بالأرضِ كانتْ عاليةً عليها، ولا يستلزمُ ذلكَ ممَّا هوَ محيطٌ بهِ، مماثلتهُ ومشابهتهُ لهُ، فإذا كانتِ السَّماءُ محيطةً بالأرضِ، وليستْ مماثلةً لهَا فالتَّفاوتُ الذي بين العالمِ وربُّ العالمِ أعظمُ مِنَ التفاوتِ الذي بينَ الأرضِ والسَّماءِ» (١).
ويجبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ العالمَ العلويَّ والسفليَّ بالنِّسبةِ إلى الخالقِ ﷾ في غايةِ الصِّغَرِ.
قالَ ﷾: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].
وقدْ ثبتَ في الصحيحين (٢) منْ حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قرأ هذهِ الآيةَ، لمَّا ذكرَ لهُ بعضُ اليهودِ أنَّ الله يحملُ السَّمواتِ على أصبعٍ، والأرضينَ على أصبعٍ، والجبالَ على أصبعٍ، والشَّجرَ والثرى على أصبعٍ، وسائرَ الخلقِ على أصبعٍ؛ فضحك رسولُ الله ﷺ تعجُّبًا وتصديقًا لقولِ الحبر (٣)، وقرأ هذهِ الآية.
وهذا يقتضي أنَّ عظمتهُ أعظمُ ممَّا وصفَ ذلكَ الحبرُ، فإنَّ الذي في الآيةِ أبلغُ (٤).
قال الشيخ علي بن إبراهيم بن مشيقح ﵀:
(١) الصواعق المرسلة (ص١٣٠٨).
(٢) رواه البخاري (٤٨١١ و٧٤١٤ و٧٤١٥ و٧٤٥١ و٧٥١٣)، ومسلم (٢٧٨٦).
(٣) وما ذهب إليه بعض المتكلمين: أنَّ ضحك النبي ﷺ وتعجبه، وتلاوته الآية ليس تصديقًا لقول الحبر؛ بل هو ردٌّ عليه، وإنكار وتعجب من سوء اعتقاده أنَّ مذهب اليهود التجسيم. وأنَّه فهم منه ذلك. وهذا القول، يأباه النظم السني، ويخالفه واضح هذا الكلام.
(٤) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٦٢).