فالجوابُ: أنَّ المرادَ بالآية ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] أي منْ حديثٍ بَيْنَ ثلاثةٍ إلا هوَ رابعُهم بالإِحَاطَةِ والعِلْمِ لا في العَدَدِ لأنَّهُ واحدٌ لا منْ عَدَدٍ، ولا واحدٌ في معناه (١)، وكذلك المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. إلى قوله ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، يريدُ بالإحاطةِ والعِلْمِ لا بالذَّاتِ والحُلُولِ.
يَدُلُّ على صحةِ هذا التأويلِ قولهُ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] الآية .. إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] فبدأَ الآيةَ بالعِلْمِ وختمهَا بالعِلْمِ، فَدَلَّ على أنَّ المرادَ بذلك كُلِّهِ الإخبارُ عنْ عِلْمِهِ وإِحَاطَتِهِ بهم في جميعِ هذهِ الحالاتِ.
فإن احْتَجُّوا بقولهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فأخبرَ أنَّه إلهٌ بكلِّ واحدٍ منهما.
فالجوابُ: أنَّ المرادَ بالآيةِ أنهُ عندَ أهلِ السَّماءِ إلهٌ وعندَ أهلِ الأرضِ إلهٌ كمَا يقالُ: فلانٌ نبيلٌ مطاعٌ في العراقِ ونبيلٌ مطاعٌ في الحجازِ، يَعْنُونَ أنَّهُ نبيلٌ مطاعٌ فيهما وليس يَعْنُونَ أنَّ ذاتَهُ في العراقِ وفي الحجازِ.
فإن احْتَجُّوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا﴾ [النحل: ١٢٨] وبقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
(١) أي: لا يُشركه جلَّ وعلا في صفة الوحدانية أحدٌ.