353

Al-istidʿāf wa-aḥkāmuhu fī al-fiqh al-islāmī

الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي

Publisher

دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م

Publisher Location

الرياض - المملكة العربية السعودية

وعلي ﵁ يشير إلى قصة مؤمن آل فرعون التى وردت في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (١)، ومؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه، وإنما أمكنه أن يقول هذه الكلمات لفرعون؛ لكونه لم يصرح بأنه على دين موسى ﵇، وزعم أن المصلحة تقتضى ترك قتل موسى، أو أنه أظهر إيمانه وواجه فرعون بذلك معتمدًا على قرابته له ولو كان إسرائيليًا لقتله، وهو ما رجحه الطبري (٢)، ولا شك أن إظهاره لإيمانه كان متأخرًا خلافًا لحال الصديق ﵁.
ويشهد لجواز إظهار الإيمان وشعائره حال الاستضعاف قصة إسلام أبي ذر ﵁ بعدما دخل على النبي ﷺ فقال: (اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَعرَضَه، فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي، فقال لي: يا أبا ذر، اكْتُمْ هذا الأمر، وَارْجعْ إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأَقْبِل، فقلت: والذي بعثك بالحق لَأَصْرُخَنَّ بها بين أَظْهُرِهِمْ، فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصَّابِىءِ، فقاموا فَضُرِبْتُ لِأَمُوتَ، فَأَدْرَكَنِى العباس فَأَكَبَّ عَلَيَّ، ثم أَقبَلَ عليهم فقال: وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رجلًا من غِفَار! وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَار فَأَقلَعُوا عَنِّي، فلما أن أَصْبَحْتُ الْغَدَ رَجَعْتُ، فقلت: مثل ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصَّابِىءِ، فَصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بِالْأَمْسِ، وَأَدْرَكَنِى العباس، فَأَكَبَّ عَلَيَّ، وقال مِثلَ مَقَالَتِهِ بِالْأَمْسِ، قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر ﵁) (٣).

(١) سورة غافر، الآية [٢٨].
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، ٢٧/ ٥٣، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢٤/ ٥٨.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب قصة زمزم، رقم: ٣٣٢٨.

1 / 366