٤ - الذي يُراعى عند الرد حال المطلوب، وأما الذي يُراعى عند التسليم حالة الطالب، وفي هذا يقول الماوردي ﵀: "وروعي حكم الوقت فيما يقتضيه حال المطلوب، فإن ظهرت المصلحة في حثه على العود لتألف قومه أشار به الإمام عليه بعد وعده بنصر اللَّه، وجزيل ثوابه؛ ليزداد ثباتًا على دينه وقوة في استنصاره، وإن ظهرت المصلحة في تثبيطه عن العود، أشار به -أي الإمام- سرًا وأمسك عن خطابه جهرًا، فإن ظهر من الطالب عُنْفٌ بالمطلوب واعده الإمامُ، فإن كان لفرط إشفاقٍ (١) تركه، وإن كان لشدة منعه" (٢).
٥ - أن سبب طلب الرد هو الإسلام بخلاف سبب التسليم الذي يكون غالبًا لارتكاب جريمة ما، وقد يقول قائل: هذا دليل على أن التسليم من أجل ارتكاب جريمة أولى، إذ كيف يرد النبي ﷺ الرجل لإسلامه ولا نرد الرجل لارتكابه جريمة قد تكون ممنوعة ومحرمة عليه شرعًا؟.
ولإيضاح الأمر أقول: إن من كان سبب رده الإسلام يكون له مخارج "فإن النبي ﷺ قد كان أذن لهم بالتلفظ بالكفر، وهو الذي كانت الكفار تطلبه فيتلفظون به حتى يأتي اللَّه بالفتح أو أمر من عنده" (٣)، وهذا من المخارج، قال الشافعي ﵀: "فإذا صالح الإمام على مثل ما صالح عليه رسول اللَّه ﷺ أهل الحديبية صالح على أن لا يمنع الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ لِلرَّجَالِ من أهل دار الحرب إذا جاء أحد من رجال أهل دار الحرب إلى منزل الإمام نفسه وجاء من يطلبه من أوليائه خلى بينه وبينهم بأن لا يمنعه من الذهاب به، وأشار على من أسلم أن لا يأتي منزله وأن يذهب في الأرض، فإن أرض اللَّه ﷿ واسعة فيها مراغم كثيرة. . . إذا صالح
(١) في الكتاب: (إسفاقٍ) ولعل الصواب المثبت.
(٢) الحاوي الكبير، ١٤/ ٣٦٥.
(٣) القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، محمد بن عبد اللَّه ابن العربي، تحقيق: محمد عبد اللَّه ولد كريم، دار الغرب الإسلامي: بيروت، ط ١، ١٩٩٢ م، ٢/ ٥٨٩.