199

Al-istidʿāf wa-aḥkāmuhu fī al-fiqh al-islāmī

الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي

Publisher

دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م

Publisher Location

الرياض - المملكة العربية السعودية

وكذلك إذا تعارضت مصلحة دينية مع مصلحة دنيوية "فالأول مقدم؛ لأن ثمرة الدينية هي السعادة الأبدية التي لا يعادلها شيء" (١)، ومما يستدل به على هذه القاعدة قصة وفد بني عامر بن صعصعة وكان فيهم عامر بن الطفيل والذي خَيَّرَ النبي ﵊ بين ثَلاثِ خِصَالٍ فَقال: (يكون لك أهْلُ السَّهْلِ ولِي أهْلُ المَدَر أوْ أكُونُ خَلِيفَتَكَ أوْ أغْزُوكَ بأهْلِ غَطَفَانَ بألْف وألْفٍ) (٢)، فرد عليه النبي ﵊ بقوله: (ليس ذلك لك، ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل)، قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر، ولك المدر، قال رسول اللَّه ﷺ: (لا)، فلما قفا من عند رسول اللَّه ﷺ، قال عامر: أما واللَّه لأملأنها عليك خيلًا ورجالًا، فقال رسول اللَّه ﷺ: (يمنعك اللَّه) (٣)، وهذا ما جرى له فقد طعن في بيت امرأة، ونزل به الطاعون فهلك.
إن الرسول ﵊ رفض عرض عامر ولم يفرط في حق الأمة في تحديد من يحكمها بالرغم من التهديد الشديد، وبهذا ندرك أن القواعد الاعتقادية والتشريعية لا يجوز للمسلمين التنازل عنها أو التحاور حولها بل تصان بكل وسيلة، سواء أكانت بالمال، وإن لزم الأمر بالنفس، والرسول ﵊ لم يوافق على هذه المصلحة والتي

(١) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، عبد الرحيم الأسنوي، تحقيق: د. محمد هيتو، مؤسسة الرسالة: بيروت، ط ١، ١٤٠٠ هـ، ١/ ٥١٥.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب المُغَازِي، باب غزوة الرجيع، رقم: ٣٨٦٤، وبقية الحديث: (فَطُعِنَ عامِرٌ في بَيْتِ أُمِّ فُلانٍ، فَقال: غُدَّةٌ كغدةِ البَكْرِ في بَيْتِ امْرَأةٍ مِنْ آلِ فُلانٍ ائْتُونِي بِفَرَسِي فَمَاتَ علَى ظَهْرِ فرَسِهِ).
(٣) رواه الطبراني في المعجم الكبير، ١٠/ ٣١٢، رقم: ١٠٧٦٠، ومصنف عبد الرزاق، ١١/ ٥١، رقم: ١٩٨٨٤، وقال في مجمع الزوائد، ٧/ ٤٢: "وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف".

1 / 208