فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون" (١)، والمراد بالحديث ما يلي:
١ - لا هجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت دار إسلام، وهي بشرى من رسول اللَّه ﵊ بأنها تبقى دار الإسلام.
٢ - لا هجرة فضلها كفضلها قبل الفتح وهو ما اختاره الإمام النووي ﵀.
٣ - لا هجرة إلى النبي ﷺ بنية عدم الرجوع إلى الوطن المهاجر منه إلا بإذنه ﵊.
وبهذا يمكن الجمع بين الأدلة الواردة بانقطاع الهجرة والأدلة الواردة ببقائها، فالذي انقطع الهجرة إلى المدينة حيث الرسول ﵊، والهجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، والذي بقي الهجرة للفرار بالدين، وأما الجهاد ونية الخير في كل شيء فهو طريق لتحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة (٢)، ولهذا لما جاء مُجَاشِعٍ بأخيه مجالد بن مسعود (٣) إلى النبي ﷺ فقال: (هذا مجالد يبايعك على الهجرة)، فقال: (لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الإسلام) (٤)، وفي رواية: (مَضَتْ الهجرة لأهلها)، فقلت:
(١) فتح الباري، ٦/ ١٩٠.
(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ١٢٣، و١٣/ ٨، فتح الباري، ٧/ ٢٢٩، و٤/ ٤٧.
(٣) مجاشع بن مسعود السلمي صحابي جليل، قيل: بأنه غزا كابل ودخل بيت الأصنام وأخذ جوهرة من عين الصنم، وقال: لم آخذها إلا لتعلموا أنه لا يضر ولا ينفع، وكان يوم الجمل، مع عائشة ﵂ أميرًا على بني سليم، فقتل فيه، قبل الوقعة ودفن بداره في "بني سدوس" بالبصرة. انظر: الإصابة، ٥/ ٧٦٧، والطبقات الكبرى، ٧/ ٣٠، والاعلام، ٥/ ٢٧٧.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا هجرة بعد الفتح، رقم: ٢٩١٣