الشعر جزءًا مما يسمى اليوم الحرب الإعلامية، ولكل عصر وسائله ومزاياه، ونحن نرى اليوم قدرة وسائل الإعلام وتأثيرها على القرار السياسي وعلى الرأي العام، لقدرتها على نقل الصورة وما يشكله ذلك من أهمية وتأثير، ولذا أخبرنا الرسول الكريم بأن السماع ليس كالمشاهدة والرؤية، بقوله ﷺ: (لَيْسَ الخُبَرُ كَالمُعَايَنَةِ إن اللَّه ﷿ أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ في الْعِجْلِ فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ) (١)، ومن فوائد هذا الحديث الإشارة إلى أثر الرؤية والمشاهدة على الإنسان وعلى تصرفاته، وقد قيل: إن بين الحق والباطل أربعة أصابع، إشارة إلى المسافة بين العين والأذن، وقد وقع لرسولنا ﷺ مثل ما وقع مع أخيه موسى ﵇، فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: (أَرْسَلَتْ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِىءُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: (إِنَّ للَّه مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ)، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ، قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ: (كَأَنَّهَا شَنٌّ)، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّه مَا هَذَا؟ فَقَالَ: (هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّه فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّه مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) (٢)، فحبيبنا ﷺ لم يبك عندما أرسلت له ابنته زينب ﵂ أن ابنها يحتضر، ولكنه ﷺ سرعان ما فاضت عيناه بالدمع وبكى لما رآه، فليس من سمع كمن رأى.
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٢/ ٣٥١، رقم: ٣٢٥٠، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وصحيح ابن حبان، ١٤/ ٩٦، رقم: ٦٢١٣، والإمام أحمد في مسنده، ١/ ٢٧١، رقم: ٢٤٤٧، قال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ١٥٣: "رجاله رجال الصحيح".
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي ﷺ: (يعذب اللَّه)، رقم: ١٢٢٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، رقم: ٩٢٣.